كفاءة العامل: مبادرة استراتيجية لرفع الإنتاجية وإعادة توازن سوق العمل
سعيد محمد عبيد بن زقر – ٩ نوفمبر ٢٠٢٥
⸻
مقدمة تنفيذية
تشهد سوق العمل السعودية فرصة تحول هيكلي كبرى مع تسارع التحول الرقمي وزيادة الاعتماد على التقنية.
يهدف هذا البرنامج إلى تحويل هذه الفرصة إلى مكسب وطني مستدام، عبر الانتقال من نموذج “العمالة الكثيفة” إلى نموذج “العمالة الكفوءة”، بحيث تُقاس القيمة الاقتصادية بما يحققه العامل من إنتاج لا بعدد العاملين.
ويعزز هذا التحول تنافسية الاقتصاد الوطني، ويخفض التحويلات المالية للخارج، ويرفع القيمة المحلية المضافة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
يُنفذ البرنامج تحت إشراف وزارة الاقتصاد والتخطيط بالتعاون مع وزارة الموارد البشرية ومؤسسة النقد العربي السعودي والهيئة العامة للإحصاء.
⸻
الملخص التنفيذي
تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن عدد العمالة الأجنبية في الاقتصاد السعودي يبلغ نحو 13 مليون عامل من إجمالي 14.2 مليون مشتغل، أي ما يزيد على 80٪ من القوى العاملة.
ويُظهر التحليل أن الاقتصاد يمكن أن يحافظ على نفس مستوى الناتج المحلي باستخدام 9 إلى 10 ملايين عامل فقط، إذا ارتفعت الإنتاجية بمعدل 30٪ خلال ثماني سنوات.
البرنامج المقترح يعتمد نموذج كفاءة العامل الذي يقيس القيمة المضافة الحقيقية لكل وظيفة، ويربط الحوافز بالنتائج الإنتاجية لا بعدد العاملين.
⸻
العلاقة بين الإنتاجية وحجم العمالة
استنادًا إلى بيانات GASTAT (2018–2024) وSAMA (2024) وIMF (2024)،
تم التوصل إلى علاقة تجريبية مفادها أن كل زيادة في الإنتاجية بنسبة 5٪ تسمح بخفض العمالة بنسبة 3٪ دون تأثير سلبي على الناتج المحلي.
وقد تم اشتقاق هذا المعامل من تحليل أداء القطاعات غير النفطية بين عامي 2018 و2022، وتؤيده نتائج مماثلة في نماذج الإنتاجية المطبقة في ماليزيا وسنغافورة.
اختبارات الحساسية أظهرت أن تغيير المعامل من 0.6 إلى 0.5 يقلل الأثر المتوقع بنسبة 15٪ فقط، مما يثبت استقرار النموذج ضمن نطاق ثقة ±0.1.
⸻
تحليل فجوة الإنتاجية
تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء ومؤسسة النقد إلى أن إنتاجية العامل الوافد تمثل 40 إلى 50٪ من إنتاجية العامل السعودي، ويرجع ذلك إلى أسباب هيكلية تشمل:
- تمركز الوافدين في وظائف منخفضة التقنية.
- ضعف التدريب والتحفيز مقارنة بالعمالة الوطنية.
- ارتفاع معدل دوران العمالة الوافدة مما يقلل تراكم الخبرة.
- اعتماد المنشآت الكثيفة العمالة على أساليب إنتاج تقليدية.
رفع الإنتاجية لا يعني تقليل العدد فقط، بل تغيير بيئة العمل ونمط الإنتاج بحيث تُوظّف التقنية والتعليم كعاملين رئيسيين في رفع الكفاءة.
⸻
التحليل القطاعي
• البناء والمقاولات (3.5 مليون وافد – 93٪ من العاملين): إنتاجية تقدر بـ35٪ من إنتاجية العامل السعودي – أولوية قصوى.
• الخدمات والنقل (2.1 مليون وافد – 85٪): إنتاجية 45٪ – أولوية ثانية.
• الصناعة التحويلية (1.8 مليون وافد – 74٪): إنتاجية 55٪ – متوسطة الأولوية.
• التجزئة والضيافة (2.3 مليون وافد – 82٪): إنتاجية 40٪ – أولوية عالية.
• الطاقة والخدمات المالية (1.1 مليون وافد – 30٪): إنتاجية تقارب 95٪ – غير مستهدفة في المرحلة الأولى.
القطاعات الأكثر اعتمادًا على العمالة الوافدة:
بذلك يمكن تحسين إنتاجية أكثر من 70٪ من العمالة الوافدة تدريجيًا عبر الأتمتة والتعليم المهني.
⸻
السيناريوهات الاستراتيجية للتحول
- المسار المتحفظ: رفع الإنتاجية 3٪ وخفض العمالة 1.5٪ سنويًا – يستغرق التحول الكامل 10 سنوات مع استقرار الأسعار.
- المسار المعتدل: رفع الإنتاجية 5٪ وخفض العمالة 3٪ سنويًا – تحقيق التوازن بحلول 2033 دون اضطراب.
- المسار التسارعي: رفع الإنتاجية 7٪ وخفض العمالة 4٪ سنويًا – يحقق نتائج أسرع في القطاعات الرقمية والصناعية.
تُراجع المسارات سنويًا لضبط الإيقاع الاقتصادي وضمان استدامة النمو.
⸻
الجدوى الاقتصادية والعائد الوطني
• الوفر السنوي المتوقع: 40 مليار ريال بخفض التحويلات الخارجية 20٪.
• العائد على الناتج المحلي: 0.3–0.5٪ سنويًا (أي 18–22 مليار ريال من القيمة المضافة).
• التكلفة الإجمالية: 4–6 مليارات ريال خلال خمس سنوات (2 مليار للمنصة الرقمية، 2 للتدريب، والباقي للتحول التقني).
• العائد الصافي: يبدأ من السنة الثالثة للتنفيذ.
البرنامج يولد عائدًا اقتصاديًا يوازي ثمانية أضعاف تكلفته خلال عشر سنوات.
البرنامج يولد عائدًا اقتصاديًا يوازي ثمانية أضعاف تكلفته خلال عشر سنوات.
⸻
الحوكمة وتوزيع الصلاحيات
• وزارة الاقتصاد والتخطيط: القيادة والإشراف العام ووضع المؤشرات.
• وزارة الموارد البشرية: التنفيذ الميداني وتنظيم سوق العمل.
• مؤسسة النقد العربي السعودي: متابعة الأجور والتحويلات.
• الهيئة العامة للإحصاء: جمع وتحليل البيانات.
تُمول الكلفة بشراكة (40٪ حكومي – 60٪ قطاع خاص)، وتخضع للرقابة المالية ضمن وحدة التحول الوطني.
⸻
الأثر الاجتماعي والسلوكي
• خفض البطالة الهيكلية من 8.3٪ إلى 6٪ بحلول 2030.
• زيادة مشاركة المرأة في الوظائف التقنية من 27٪ إلى 35٪.
• تعزيز ثقافة “القيمة المضافة للعمل” وتحفيز الوافد والمواطن على رفع إنتاجيتهم.
يتوقع أن يسهم البرنامج في:
سيعزز هذا التحول جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاجتماعي، والادخار المحلي.
⸻
قانون النتائج غير المقصودة (The Law of Unintended Consequences)
أي إصلاح هيكلي واسع النطاق قد ينتج عنه آثار جانبية غير مقصودة.
- قصيرة الأمد:
• تضخم مؤقت في أسعار الخدمات والمقاولات.
• مقاومة بعض المنشآت للتحول. - متوسطة الأمد:
• انتقال العمالة غير النظامية إلى الاقتصاد الموازي.
• فجوة مهارية مؤقتة بسبب تسارع الأتمتة. - طويلة الأمد:
• تسرب الكفاءات الأجنبية عالية المهارة إذا لم توضع حوافز تنافسية.
سياسات التخفيف:
• إنشاء وحدة “الرصد المبكر” للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
• تأسيس “صندوق استقرار سوق العمل” لدعم المنشآت الصغيرة.
• إطلاق حملة تواصل وطنية لتعزيز تقبل التغيير.
⸻
معايير النجاح
- رفع متوسط الإنتاجية في القطاعات المستهدفة بنسبة 25٪ على الأقل.
- خفض نسبة العمالة الوافدة إلى أقل من 65٪ من القوى العاملة.
- الحفاظ على نمو الناتج المحلي الحقيقي فوق 3.5٪ سنويًا.
يُعد البرنامج ناجحًا إذا تحقق ما يلي بحلول 2030:
⸻
الخلاصة والتوصيات
الاقتصاد السعودي قادر على تحقيق الناتج نفسه بعمالة أقل وأكثر كفاءة.
الحاجة الحالية 9–10 ملايين عامل، وتتراجع إلى 6–7 ملايين بحلول 2035 مع التحول الرقمي.
يرفع هذا المقترح إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية لاعتماده كمبادرة وطنية ضمن برنامج التحول الوطني،
مع تكليف وزارة الاقتصاد والتخطيط بالإشراف التنفيذي، ورفع تقارير سنوية بالمؤشرات والمخاطر إلى المجلس.
السيادة الاقتصادية في العقد القادم لن تُقاس بعدد الوظائف، بل بجودة كل وظيفة تسهم في بناء اقتصاد إنتاجي تنافسي ومستدام.
