قصص من الأرشيف نصيحة ذهبية من عمي فيصل في التوطين
مع بداية التسعينات من القرن الميلادي الماضي رفعت حكومتنا الرشيدة شعار توطين الوظائف في القطاعين العام والخاص. وكان القطاع الخاص في وضع يختلف عن وضعه الحالي من حيث ارتفاع نسب العمالة الوافدة مقارنة بالعاملين السعودين. وكانت تلك ضرورات مرحلة اقتصادية. وفور انخراطي في العمل العائلي في منتصف التسعينات كلفتني العائلة بالعمل في المنطقة الوسطى وأن من أهم أولوياتي ملف التوطين في أعمال العائلة بالمنطقة. وأن علي أضع خطة لرفع نسبة السعودة بقدر الإمكان باعتبارها هدفاً وطنيًا استراتيجيا وتلقائيا أصبح التوطين هدفاً مهما من أهداف أعمالنا العائلية. وللحصول على معلومات لبناء خطة التوطين اجتمعت بالإدارات وتداولت مع زملائي فيما أنوى القيام به وأرسلت رسالة تطمين بأنه لن يضار أحد في معاشه بصورة تلقائية. وكان الهدف أن ابعث بهذه الرسالة لأن البشر بشر بطبعهم يخشون من التغير. وحيث كان الوافدون يتولون أغلب الوظائف المفتاحية فقد كانت مهمتي صعبة لحد كبير جداًز وواجهت في البداية تحديات ومقاومة باعتبار أن الجميع فهموا أن السعودي سيحل محل الوافد. وكنت على وعي بتلك المخاوف. وبعد عام من المحاولات أذكر أنني جلست مع إدارة الموارد البشرية في شهر يناير من عام 1999م تقريبا إن لم تخني الذاكرة، وقلت لهم أن الهدف من اللقاء مع هذه الإدارة أن أقيم التجربة في التوطين وكيف تمضي. وللمفاجأة وجدت أن العدد الذي أجريت معه المقابلات بلغت حوالي مائتين مرشح للفرع وتم قبول أغلبهم وتم تدريبهم وتأهيلهم ولكنهم لم يستمروا إلا لفترات قصيرة. وتواصلت مع الأقسام المختلفة لمعرفة الأسباب الحقيقية للغياب وعدم ارتفاع نسبة التوطين وعدم تحقيق الهدف المتفق عليه. وكانت الإجابات ضمن أسباب كثيرة ولكن في أغلبها ترجح أن هناك مشكلة في ثقافة العمل.
وفي إحدى رحلات العمل إلى جدة للمشاركة في اجتماعات دورية، قابلت عمي الشيخ فيصل ، وهو المسئول عن مصانع بن زقر حينها، قلت له روايتي مع مشكلة توطين الوظائف. عمي فيصل أطال الله في عمره هو واسطة العـِـــقــْــد اصغر من عمي وهيب وأكبر من والدي محمد بن زقر ومن عمي عبدالله بن زقر. ويمتاز عمي فيصل بالإجابات الحكيمة والمختصرة. فقال لي نصيحة ذهبية (يا سعيد: طبيعة العمل في القطاع الخاص تختلف عن طبيعة عمل القطاع العام والعمل ثقافة وتربية تبدأ مبكرة مع الإنسان. فبدلا من المعاينات لابد من معرفة البعد الاجتماعي والتربوي بالسؤال عن من ربى المرشح. فالأب الذي يعمل في القطاع الخاص أو له نشاط تجاري ينقل ثقافة عمله إلى ابنه مهما كان هذا النشاط وأيا يكن حجمه. كانت هذه نصيحة ذهبية من عمي فيصل. وطلب مني اتباع هذا النصح وبعد التجربة تعال العام القادم وقل لي استنتاجك. وبالفعل التزمت بنصحه وبدأت أولى خطوات النجاح في التوطين الذي بلغ اليوم بحمد الله معدلات مرضية. ونصيحة عمي فيصل درس مهم وعصارة تجربة امتدت في القطاع الخاص امتدت لما يقارب الخمسين عماً بتنوع القطاعات وتعدد الإدارات والثقافات. وبعد عودتي لمدينة الرياض أضحت المقابلات تركز على نصح عمي فيصل أي الثقافات وخصوصاً على جوانب غير تقليدية لكشف الاستعداد النفسي والثقافي لطالب العمل. ونجحت التجربة في أول مراحلها. وصرت أدعم تعيين السعوديين في وظائف قيادية واليوم صار أولئك من قادة العمل ومن المديرين بالمجموعة. نجاح نصيحة عمي فيصل دفعني لاطلع على الدراسات التي تتناول البعد الثقافي والعلاقة بين العمل والثقافه المكتسبة من الأسرة والمجتمع. وتناولت تلك المعاني في مقالاتي التي كنت أنشرها في بعض الصحف ومنها صحيفة المدينة. وسأعود في المقال التالي لأرشيف الذكريات لتناول نصيحة من عمي عبد الله بن زقر في ذات السياق.
