فن هندسة التحوّل في عصر الذكاء الاصطناعي
سعيد محمد عبيد بن زقر — 2 ديسمبر 2025
كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه — الذي يعدّه المؤرخون من أعظم قادة الإنسانية — قد بنى جهاز دولةٍ متماسك خلال عشرِ سنواتٍ فقط، وأقام أنظمة إدارية وقضائية وعسكرية صارت من اللبنات الأولى لبناء الدول الحديثة. هذه ليست حكمة دينية فحسب، بل قاعدة لإدارة الدول: لا يبدأ الإصلاح بشراء الأدوات، بل برؤية العيوب والاعتراف بها والاستعداد للتغيير.
ولو طبّقت المؤسسات اليوم هذه القاعدة في تعاملها مع الذكاء الاصطناعي، لأدركت أن التقنية لا تُصلِح بقدر ما تكشف العيوب الكامنة في بنيتها. ولا تصنع الفرق، بل تُظهره. ولا تُصلح الأعمال، بل تُعرّي اختلالاتها. ولهذا لا يمكنك بناء مدينة حديثة على بنية تقنية قديمة، ولا يمكنك كذلك بناء نخوةٍ في فريق عمل إذا لم تُصحَّح أعماله بعد.
وتكشف تقارير McKinsey لعام 2025 هذه الحقيقة بوضوح: العالم يتبنّى الذكاء الاصطناعي بسرعة، لكنه لا يتحوّل بالسرعة نفسها. فـ 88٪ من الشركات تقول إنها “تستخدم” الذكاء الاصطناعي، لكن ثلثها فقط صنعت استخدامًا اقتصاديًا حقيقيًا وغالبًا لا يتجاوز 5٪ من الأرباح التشغيلية.
هذه الأرقام تقول إن العالم يستخدم التقنية… لكنه لا يتغيّر.
فمعظم المؤسسات تمتلك هياكل تقنية قديمة — وهو ما نبّهت إليه مكنزي — إذ أعادت تصميم أعمالها قبل إدخال التقنية، لا بعدها. كما أن المؤسسات أعادت صياغة سير العمل، وتوزيع المصطلحات، وتشكيل أدوار جديدة، وبنت منظومات قرار ذكية… بينما بقي الذكاء الاصطناعي عنصرًا تجميليًا داخل البنية لا مجرد أداة.
وفي السعودية، تزداد أهمية هذا التفاؤل لأننا نعيش لحظة نمو غير مسبوقة، والمنافسة ترتفع، والفرص الصناعية والتقنية تتسع. والسؤال هنا: من سيجني الريادة؟
المؤسسات التي تشتري الأدوات… أم تلك التي تعيد تصميم نفسها لتستوعب الأدوات وتحوّلها إلى قيمة؟
وتظهر الدراسات اليوم أن أدوار مثل “مدير التحول الرقمي” و“مدير تكامل الذكاء الاصطناعي” لا ينبغي تحميلهما مسؤوليات غير واقعية، ولا تكليفهما ببناء منظومة قادرة على اختصار السنوات. هذه الأدوار لا تعمل بمعزل عن البنية، ولا تصنع التحوّل إن لم تُصلح لها الأرضية.
ما تصنعه أنت لمؤسستك قبل أن تصل التقنية إليها… هو الذي يحدد معنى التحوّل الحقيقي.
وهناك حكمة واحدة تجلّي المعنى المحوري لكلمة الفاروق:
“رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي.”
