صلاح الأمة يبدأ بالزهد والتقوى: دعوة لتطوير التعليم السعودي

سعيد محمد عبيد بن زقر
17 ربيع 2 ، 1447

المعيار الحقيقي لصلاح المجتمعات لا يكمن فقط في تقدمها التقني أو تنوع التخصصات وكثرة الشهادات، بل كما علمنا ديننا في انبثاق الزهد والتقوى من أفرادها. قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: “صلاح أول هذه الأمة بالزهد والتقوى وهلاك آخرها بالبخل والفجور”. بلادنا، أرض الحرمين ومهبط الوحي، تتوفر فيها كل شروط القدوة في هذا المسار، خاصة في مخرجات التعليم لانها مناط بها صناعة أجيال تصلح وتصلح مجتمعها، تماماً كما صلحت أول الأمة.

واهم مدخل إلى ذلك التعليم. لان التعليم ليس فقط تأهيل الطلاب في الرياضيات أو التقنيات، بل غرس اسس التربية الصحيحة واهمها قيم الزهد والتقوى لتكوين مواطنين يبتعدون عن البخل والفجور ويسهمون برقي مجتمعهم. ولعل من المفيد وضع معايير قياس أداء ومخرجات تعتمد على سلوكيات عملية مثل : مدى انتشار الأمانة، الاحترام، الإيثار في المجتمع المدرسي، ونسب المشاركة في الأعمال التطوعية وقيم النزاهة. وتحريا للدقة فان النموذج السعودي التربوي الحديث، يُلاحظ فيه دمج قيم الزهد والتقوى في مناهج الدراسات الإسلامية وبرامج التنمية الأخلاقية، ومن الأمثلة الواقعية مدارس التقوى بجدة، التي تدمج هذه القيم كجزء أساسي في التربية والتعليم اليومي للطلاب. كذلك تلتزم بعض الجامعات السعودية بتدريس أخلاقيات العمل المهني والسلوكيات الأخلاقية كمواد إجبارية في التخصصات الطبية والعلمية، مثل جامعة دار العلوم التي وضعت مدونة أخلاقيات واضحة لجميع منسوبيها وبرامجها الأكاديمية. ومن جهة أخرى فإن ممارسات عملية تشير لقرائن بين إصلاح التعليم بقيم الزهد والتقوى بالتنمية والوظائف. ويعزو البعض انخفاض معدل البطالة في السعودية لأقل من 5% في 2025 لتطوير التعليم وصناعة جيل قادر على العمل في مختلف القطاعات وفقاً لقيم عمل مشتركة، منها النزاهة والتعاون والانضباط واحترام المسؤولية الاجتماعية. ولا شك أن سياسات “رؤية 2030” ركزت على التعليم النوعي وسلوكيات العمل—وليس فقط تراكم الشهادات—مما أتاح للنساء والشباب الانخراط في مئات آلاف الوظائف المستدامة. ولهذا السبب هناك ارقام تقديرية تشير إلى:

• انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.3% بالربع الأول من 2025 وارتفع توظيف الإناث والشباب.
• أكثر من 310,000 من الشباب تم توظيفهم خلال العام الماضي ضمن برامج التدريب والعمل الوطني.
• الابتكار المحلي ارتفع بوتيرة قياسية مع دخول التقنيات الحديثة والخدمات الجديدة نتيجة تطوير المناهج وتنمية قيم الشراكة المجتمعية في التعليم.
• نسبة مشاركة السعوديين في القوى العاملة ارتفعت إلى 51.3%، بعد أن كانت 41% قبل خمس سنوات.
• ان تدريس مناهج القيم والأخلاقيات في المؤسسات التعليمية، ساهم في زيادة الكفاءة الوظيفية وتقليل التسرب الوظيفي.

وعلى مستوى الجامعات، تشير بعض التقارير إلى أن مخرجات كليات العلاج الطبيعي مثلاً أن ما يقرب من ثلث البرامج التعليمية تتضمن تدريس الأخلاقيات المهنية كعامل رئيسي في تكوين شخصية الطالب، ما رفع قابلية الطلاب للتوظيف واداء أعمال تطوعية، وهي سمات مرتبطة بالعمل المستدام وانخفاض البطالة.

ان إدخال قيم الزهد والتقوى في البرامج التربوية يعزز الريادة الاجتماعية والاقتصادية ويرفع معدلات الإبداع. وفي هذا السياق استعيد حكاية واقعية حول تطبيقات التحفيز العملي. يحكي أحد مدري مدارس التقوى بجدة عن طالب أظهر تفوقاً أكاديمياً وأخلاقياً نتيجة انخراطه في برنامج “الزعيم الخدمي”، حيث تم تدريبه على إدارة مشاريع تطوعية وقيادة فرق العمل في المجتمع المحلي. وعندما حللت الادارة الاستنتاجات بيَّنت نتائج التقييم أن الطلاب المشاركين في البرنامج زاد لديهم الإحساس بالمسؤولية وانخفضت لديهم النزعة الاستهلاكية، ما انعكس إيجاباً على أدائهم الدراسي وعلى الاندماج في سوق العمل بعد التخرج.
كذلك، رأت خبيرة تعليمية من جامعة دار العلوم إلى أن دمج القيم في المناهج الدراسية ساهم في تحسين البيئة المدرسية وتقليل حالات الغش والاعتداء، وزاد من المشاركة الطلابية في الأنشطة المجتمعية، مما عزز بناء الثقة بين الطلاب ومعلميهم. وخلاصة القول أن الأثر الاقتصادي بلغة الأرقام لتطبيق هذه الاقتراحات يثبت أن ربط التعليم بقيم الزهد والتقوى يؤدي إلى:

• انخفاض البطالة بين السعوديين لأكثر من 6 نقاط مئوية خلال خمس سنوات.
• توليد مئات آلاف الوظائف المستدامة سنوياً في القطاعات الجديدة.
• زيادة نسبة المشاركة الوطنية بسوق العمل 10% في ثلاث سنوات فقط.
• قفزة في مشاريع الابتكار والتحول الرقمي، ونمو ربحية الشركات، وتقليل التسرب الوظيفي، ورفع مستوى الرضا المهني بين الشباب.

كل هذه المؤشرات تؤكد أن السياسات المستندة على التربية القيمية هي الطريق الأسرع والأكثر استدامة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والوظيفية في وطننا العظيم.

ان ملامح السعودية 🇸🇦 العظمى تلوح امامنا ولهذا يُتطلع إلى وزارة التعليم السعودية لوضع معايير تربط مخرجات التعليم بقيم الزهد والتقوى (مثل قياس النزاهة، وأداء العمل التطوعي، ومساهمات العمل الاجتماعي والمبادرات الأخلاقية)، وإدراج هذه المعايير في أنظمة التقييم المدرسي والجامعي كأساس لصلاح المجتمع. وبالإمكان الاستفادة من النماذج المحلية المطبقة والتجارب العالمية لقياس هذا الأثر علمياً وربطه بمؤشرات البطالة، والاستدامة الوظيفية، والابتكار الاقتصادي بحيث تبقى السعودية مثالاً يُحتذى في الإصلاح والبناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى