سياج الأعمال العائلية: دعوة للشباب السعودي من القادة
سعيد محمد بن زقر
السياج في اللغة هو الجدار او السور او الحائط. وقد يكون السياج نباتي يزرع في صفوف منتظمة، ليبدو كجدار أو سور.
وﻓﻲ الفقه تعتبر النوافل سياج للفرائض
اذ يقول سادتنا الفقهاء “النوافل سياج الفرائض والفرائض سياج الإسلام”، وهذه الحكمة العظيمة لا تقتصر على العبادة فقط، بل تمتد لتشمل كافة جوانب الحياة، وفي مقدمتها عالم الأعمال والمسؤولية المجتمعية. فكما تحمي النوافل الفرائض من التقصير والنقصان، كذلك تحمي الأعمال التطوعية وخدمة المجتمع والصدقات صميم العمل التجاري من الانحراف عن مقاصده النبيلة.
ان الشباب السعودي اليوم: قوة التغيير الحقيقية. اذ يشكل الشباب السعودي اليوم أكثر من نصف سكان المملكة، ويمثلون القوة المحركة الأساسية لتحقيق رؤية 2030. وهؤلاء الشباب يواجهون عالماً متسارع التغير، مليئاً بالفرص والتحديات، حيث تتطلب منهم الاستعداد للمستقبل عبر تطوير مهاراتهم التقنية والقيادية.
إن دور الشباب السعودي في تحقيق أهداف رؤية 2030 يتجسد في مشاركتهم الفعالة في قطاعات متنوعة من ريادة الأعمال إلى التحول الرقمي والعمل التطوعي. فهم لا يقتصرون على كونهم منفذين للخطط، بل يبرزون كمبدعين ومبتكرين قادرين على إيجاد حلول جديدة للتحديات المعاصرة.
ومن جهة فان الأعمال العائلية السعودية: ركيزة اقتصادية وإرث حضاري
اذ تشكل الشركات العائلية أكثر من 95% من المنشآت الخاصة في المملكة، وتساهم بنحو 66% من الناتج المحلي للقطاع الخاص. هذه المؤسسات ليست مجرد كيانات تجارية، بل هي حاملة للقيم والتقاليد وامتداد للإرث الحضاري الذي بناه المؤسسون عبر عقود من العمل الجاد والتفاني.
إن الجيل القادم من قادة الأعمال العائلية يقف اليوم أمام مفترق طرق، حيث عليه أن يحافظ على القيم الأصيلة التي أسسها الآباء والأجداد، وفي الوقت نفسه يواكب متطلبات العصر الحديث. والإحصاءات تشير إلى أن 14% فقط من الشركات العائلية تصل إلى الجيل الثالث، بينما 4% فقط تصل إلى الجيل الرابع.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو سياج الأعمال العائلية: انها القيم الأساسية الأربع كما يلى:
أولاً: سنة المؤسس – الإرث والقيم الراسخة
تمثل سنة المؤسس الأساس المتين الذي تقوم عليه الأعمال العائلية. فالملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله – أسس المملكة على قيم الوحدة والعدالة والعمل الجاد. وكذلك مؤسسو الأعمال العائلية السعودية، من أمثال آل الراجحي وآل العليان وآل الزامل وغيرهم من الاسر التجارية العائلية، الذين وضعوا أسساً قوية من الصدق والأمانة والجد في العمل.
إن الحفاظ على سنة المؤسس لا يعني الجمود أو رفض التطوير، بل يعني الالتزام بالقيم الأساسية التي مكنت هذه المؤسسات من البقاء والنمو عبر الأجيال. فكما يقول النبي صل الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ”.
ثانياً: خدمة المجتمع – الرسالة الحقيقية للعمل
إن خدمة المجتمع ليست مجرد مسؤولية اجتماعية إضافية، بل هي جوهر العمل النبيل. فالأعمال التي لا تخدم المجتمع تفقد بوصلتها الأخلاقية وتصبح مجرد سعي وراء الربح المجرد. والشباب السعودي اليوم لابد أنه مدرك لهذه الحقيقة، حيث يساهم 16.8% منهم في العمل التطوعي، مما يعكس وعياً عميقاً بأهمية العطاء المجتمعي.
مؤسسات مثل مؤسسة حسن عباس شربتلي ومؤسسة الملك خالد الخيرية ومؤسسة الجميح الخيرية وجمعية ابناء سعيد بن زقر الخيري تجسد هذا المبدأ، حيث تحول جزءاً كبيراً من عوائدها لخدمة المجتمع في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
ثالثاً: الصدقات والأعمال الخيرية – الاستثمار في الآخرة
الصدقة في الإسلام ليست مجرد عطية، بل هي تزكية للنفس وتطهير للمال وبركة في العمل. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن “المال لا ينقص من صدقة”، وهذا ما نراه في واقع الأعمال العائلية السعودية الناجحة.
شركة أوقاف سليمان بن عبد العزيز الراجحي تصرف 80% من إيراداتها في الأعمال الخيرية داخل المملكة و20% خارجها. هذا النموذج يثبت أن الاستثمار في الآخرة لا يتعارض مع النجاح في الدنيا، بل يعززه ويضمن استدامته.
رابعاً: اتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم – المنهج الشامل للحياة. إن اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الأعمال يعني تطبيق مبادئ الصدق والأمانة والعدالة في المعاملات. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان تاجراً قبل البعثة، وكان يُعرف بـ”الصادق الأمين”، وهذا ما يجب أن يحرص عليه رجال الأعمال المسلمون.
يقول الله تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ”. فمحبة الله تستلزم اتباع سنة رسوله في كل شؤون الحياة، بما فيها الأعمال والتجارة.
ولهذا فإن النداء للجيل القادم من القادة ، أيها الشباب السعودي الواعد، أيها الجيل القادم من قادة الأعمال العائلية، إن عليكم مسؤولية عظيمة ومهمة جليلة. فأنتم لا تحملون مجرد إرث تجاري، بل تحملون أمانة حضارية ورسالة إنسانية.
والمطلوب منكم الاتي:
أولاً: تطوير القدرات والمهارات
استثمروا في أنفسكم من خلال التعليم والتدريب المستمر. فالمملكة تقدم اليوم برامج رائدة مثل برنامج قادة 2030 وجيل طموح لصقل مهارات القيادة والإدارة الحديثة.
ثانياً: الحفاظ على الهوية مع مواكبة العصر
لا تدعوا التحديث يطغى على الهوية، ولا تدعوا التمسك بالقديم يمنعكم من الاستفادة من الجديد. فالحكمة في التوازن، والنجاح في الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
ثالثاً: ترسيخ ثقافة العطاء اجعلوا العطاء والعمل التطوعي جزءاً لا يتجزأ من ثقافة مؤسساتكم. فالشركات التي تخدم المجتمع تكسب محبته وولاءه، وهذا أعظم أنواع التسويق وأصدقها.
رابعاً: الاستفادة من التقنية والذكاء الاصطناعي لان عالم اليوم يتحرك بسرعة البرق، والتقنيات الحديثة تعيد تشكيل عالم الأعمال. استثمروا في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ولكن لا تنسوا أن التقنية وسيلة وليست غاية.
دور النوافل في تقوية السياج
كما أن النوافل تحمي الفرائض من النقص والتقصير، فإن الأعمال التطوعية والخيرية تحمي الأعمال التجارية من الانحراف والفساد. والشباب السعودي يدرك هذا المعنى جيداً، حيث نراهم يشاركون بفعالية في العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية.
إن العمل التطوعي يُكسب الشباب مهارات قيادية وإدارية لا تُقدر بثمن، ويربطهم بمجتمعهم ويعمق فهمهم لاحتياجاته وتطلعاته. وهذا ما يجعلهم أكثر قدرة على إدارة الأعمال بروح المسؤولية الاجتماعية.
التحديات والفرص. اذ يواجه الجيل الجديد تحديات جمة، منها التطور التكنولوجي السريع والمنافسة الشديدة وتغير أذواق المستهلكين. لكن هذه التحديات تحمل في طياتها فرصاً ذهبية لمن يحسن استغلالها.
فرؤية 2030 تفتح آفاقاً واسعة أمام رواد الأعمال الشباب في قطاعات متنوعة من السياحة والترفيه إلى التقنية والطاقة المتجددة. والمطلوب هو الاستعداد الجيد والتخطيط السليم والعمل الجاد.
خلاصة القول :التكليف والمسؤولية
إن من تنطبق عليه هذه الصفات – من الشباب السعودي والجيل القادم من قادة الأعمال العائلية – مكلف بمسؤولية عظيمة. فهو مكلف بأن يكون امتداداً للمؤسسين الأوائل الذين بنوا المملكة وأعمالها على أسس صلبة من القيم الإسلامية والعربية الأصيلة.
ومكلف بأن يخدم مجتمعه وأمته، وأن يجعل من أعماله وسيلة للعطاء والبناء وليس مجرد وسيلة للكسب. ومكلف بأن يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل تصرفاته وأعماله، فيكون صادقاً أميناً عادلاً رحيماً.
إن المملكة تتطلع إلى جيل جديد من القادة، جيل يجمع بين الحكمة والحداثة، بين الأصالة والمعاصرة، بين النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة. وأنتم، أيها الشباب الواعد، أنتم هذا الجيل. فاستعدوا للمهمة، وتسلحوا بالعلم والإيمان، واجعلوا من أعمالكم عبادة، ومن نجاحكم خدمة للوطن والأمة. فالمستقبل ينتظركم، والأمة تعول عليكم، والله يبارك في جهودكم إن كانت خالصة لوجهه الكريم.
