سر البركة في طعام أهل الخندق ووجبتنا الطلابية
في المرحلة المدرسية قضينا أجمل أيام العمر، وامضينا اسعد اللحظات وصنعنا أجمل الذكريات بعضها سيبقى وبعضها ضد النسيان وأغلبها لن تنسى. ففي المدرسة كسبنا اخلص الاصدقاء ونلنا ابرك العلوم وكانت بيننا إلفه عفوية ، غاية في النقاء والبراءة والإدهاش.
واذكر كنا نجتمع في منزل زوج خالتي الاستاذ عبد الإله مغربي ونلتقي مع ابنه اخي وصديقي احمد عبد الإله المغربي وصحبه من مدارس الثغر. وفي كل لقاء نقضي اسعد الاوقات واجملها ونتناول أشهى المأكولات والأطباق ومنها ألذها “البيك ” الذي كان بلا منافس ولا يعلى عليه.
وفي احدى الأمسيات من ايام الخميس كما اذكر اجتمعنا كالعادة ولكن العدد ظل يزاد وظل الأصدقاء يرتفع عددهم باكثر من المعتاد بل باضعاف عدد وجبات البيك التي طالبناها. وعندما راى أحد الأصدقاء هذا العدد الكبير من الأصدقاء، رفع صوته ورفع الكلفة وقال “الاكل لن يكفي”. وتلقائيا ودون تفكير مني قلت للجميع (سموا بالله واكلوا بهدوء وهذا الاكل سيكفي الجميع ). وكانت هذه العبارات من مخزون الثقافة التي سمعتها من الوالد والوالدة ومن الاسرة كلها. ولا شك سمعنا منهم فكرة أن البركة في الطعام والشراب الذي يسمى فيه الانسان باسم الله. وبالفعل قال الزملاء باسم وشبع الجميع ولا يزال باقي الطعام موجوداً.
هذه الذكرى عندما تأتي لخاطري تذكرني بقصة جابر بن عبدالله رضي الله عنه. فالبركة أمر مدهش فوق حواسنا
ولكن يمكن لشباب الأعمال والمبادرين التماس البركة في الأعمال وفي السعي لقضاء الحاجة ومساعدة الملهوف. والمطلوب التوكل والتماس الاسباب. وقصة جابر بن عبدالله رضي الله عنهما كما أوردها البخاري في صحيحيه فهي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأَيْتُ بالنَّبيِّ صلَّ اللهُ عليه وسلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ إلى امْرَأَتِي، فَقُلتُ: هلْ عِنْدَكِ شَيءٌ؟ فإنِّي رَأَيْتُ برَسولِ اللَّهِ صلَّ اللهُ عليه وسلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا، فأخْرَجَتْ إلَيَّ جِرَابًا فيه صَاعٌ مِن شَعِيرٍ، ولَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إلى فَرَاغِي، وقَطَّعْتُهَا في بُرْمَتِهَا، ثُمَّ ولَّيْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَتْ: لا تَفْضَحْنِي برَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبِمَن معهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وطَحَنَّا صَاعًا مِن شَعِيرٍ كانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أنْتَ ونَفَرٌ معكَ، فَصَاحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَالَ: يا أهْلَ الخَنْدَقِ، إنَّ جَابِرًا قدْ صَنَعَ سُورًا، فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حتَّى أجِيءَ. فَجِئْتُ وجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بكَ وبِكَ، فَقُلتُ: قدْ فَعَلْتُ الذي قُلْتِ، فأخْرَجَتْ له عَجِينًا فَبَصَقَ فيه وبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، واقْدَحِي مِن بُرْمَتِكُمْ ولَا تُنْزِلُوهَا، وهُمْ ألْفٌ، فَأُقْسِمُ باللَّهِ لقَدْ أكَلُوا حتَّى تَرَكُوهُ وانْحَرَفُوا، وإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كما هي، وإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كما هُوَ.
يقول ﷺ في الحديث الصحيح: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه ).
ولجلب البركة في المال والرزق، والولد، يُنصح بالتقرب إلى الله تعالى من خلال الإكثار من الدعاء،الاستغفار، والصدقات، مع ضرورة التوكل على الله والسعي في طلب الرزق الحلال مع الحفاظ على الأمانة والصدق في التعاملات. كما يُعد بر الوالدين، وصلة الرحم، والحرص على صلاة الضحى، وأداء العبادات في وقتها من الأسباب الرئيسية لحصول البركة.
ومن القصص التي تدل على فضل البركة قصة رجل اشتكى لأبي حنيفة النعمان ضيق الحال وأن ما يكسبه لا يكفيه وقد كانوا خمسة دراهم، فقال له الإمام: اذهب إلى رب عملك وأخبره أن يعطيك أربعة دراهم فتعجب الرجل ولكنه شكر الإمام أبو حنيفة وذهب، ثم عاد بعد فترة للإمام يشكوا عدم كفاية ما يكسب، فقال له الإمام اذهب إلى رب عملك وقل له أن يجعلها ثلاثة دراهم، فذهل الرجل من قول الإمام ولكن ثقته بإمامه دفعته إلى السمع والطاعة. ومرت الأيام والشهور إلى عام ونصف حتى رأى أحد تلامذة الإمام نفس الرجل بالسوق فسلم عليه وقال: ألم تكن تشكوا ضيق الحال فقال بلى ، ولكني سمعت قول الإمام واكتفيت بثلاثة دراهم بل وزادت عن حاجتي. وتعجب التلميذ من عدم كفاية الخمسة دراهم وبركة الثلاثة دراهم وتركه وانصرف لإمامه ليخبره، فقال له الإمام: لقد بدا على وجه الرجل الصلاح والتقوى، وحيث إن ما يكسبه لم يكن يكفيه فعلمت أن ما يكسبه ليس حلالاً وكاد أن ينفذ ماله، فلما أنقص المال حتى بات يستحقه بحق ، بارك الله له فيه وزكاه. فالبركة القليل يصبح كثيراً بالبركة وبغيرها الكثير يصبح قليلاً.
