رسوم الجمارك الترامبية: إذا بدت كبطة ونقّت كبطة ومشَت كبطة… فهي بطة!

سعيد محمد بن زقر

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، تحوّلت تصريحاته حول الرسوم الجمركية إلى حدث اقتصادي بحد ذاته، يخلق تقلبات حادة في الأسواق أشبه بما يحدث عند التلاعب المقصود بالأسعار. فحين تُعلن واشنطن عن فرض رسوم، تنهار المؤشرات، وحين تتراجع عنها بعد ساعات، تقفز الأسواق مجددًا. وإذا كان المثل الأمريكي يقول: “If it looks like a duck, quacks like a duck, walks like a duck, it’s probably a duck”، فربما ما نشهده ليس سياسة تجارية، بل بطة من نوع آخر — بطة التلاعب السوقي.

في أبريل 2025، أعلن ترامب فرض رسوم عالمية بنسبة تتراوح بين 10 و20%، ففقد مؤشر S&P 500 ما بين 3 و5% في يوم واحد، لتتبخر تريليونات من القيمة السوقية. ثم، في أقل من 24 ساعة، تراجع عن القرار مؤقتاً لمدة 90 يومًا، فأشعل موجة شراء عارمة عوضت الخسائر، محققة أرباحًا غير متوقعة للمستثمرين الأكثر استعدادًا. هذا النمط المتكرر جعل الديمقراطيين يطالبون بتحقيق من لجنة الأوراق المالية والبورصات (SEC)، وسط اتهامات بالتداول الداخلي.
صرّحت السيناتور إليزابيث وارن: «قبل أن يجمّد ترامب الرسوم، يبدو أنه ألمح لمقربين بخططه، وهذا في حد ذاته قد يشكل انتهاكًا لقوانين الأوراق المالية».

ولهذا شرعت الصحافة في تحقيقات صحفية – أبرزها من ProPublica في مايو 2025 – وكشفت أن أكثر من اثني عشر مسؤولًا أمريكيًا باعوا أسهمًا قبل الإعلان، محققين أرباحًا ضخمة، في خرق محتمل لقانون STOCK Act الذي يمنع استغلال المعلومات الرسمية في التداول. وفي أكتوبر 2025، الحالي تسبّب تهديد ترامب بفرض رسوم 100% على الصين في تصفية ما قيمته 19 مليار دولار من العملات المشفّرة، تزامنًا مع عمليات بيع قصيرة للإيثريوم حققت أرباحًا تجاوزت 80 مليون دولار خلال دقائق — ما اعتبره ناشطون على منصة X «عرس التداول الداخلي».

من الناحية الاقتصادية، تُظهر دراسات NBER (2021–2025) أن الرسوم السابقة كلّفت المستهلك الأمريكي نحو 51 مليار دولار سنويًا، ورفعت الأسعار بنسبة 1 إلى 2%. كما حذّرت جامعة وارتون من أن تطبيق الرسوم العالمية قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الأمريكي بنسبة 6%. وبذلك، تتجاوز آثار هذه السياسات الجانب السياسي لتلامس جوهر الاستقرار الاقتصادي الأمريكي والعالمي.

ورغم نفي البيت الأبيض وجود أي تلاعب، إلا أن استمرار هذا النمط يجعل السؤال مشروعًا: هل الرسوم الجمركية سياسة اقتصادية جريئة، أم وسيلة للثراء السريع عبر موجات مضبوطة من الفوضى السوقية؟
الجواب، على الأرجح، في أصوات الأسواق نفسها — فهي تنقّ كالبطة الترامبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى