”رزقك فين؟”
سعيد محمد بن زقر
في معرض استعراض خواطره حول معاني ” الرزق ” يقول الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: “ساعة ما ترى عندك مال اسأل الذي لا يملك مالاً: رزقه أين؟” وتتجلى حكمة الشعراوي في تذكير الإنسان أن الرزق ليس فقط في المال، بل تشمل معاني اخرى مثل الصحة والعقل والعمل الصالح، وأن كل إنسان له نصيبه من هذا الرزق، مهما كان شكله ومصدره. وهذا المعنى الأصيل يجد جذوره في تراث الإسلام، كما عبّر عنه حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي: فالقلوب هي التي تفتح مفاتيح الأرزاق برضى الله وطاعته، ولن تنال البركة إلا بالسعي فيما أمر الله تعالى به، وعبر رياض الطاعة وسنة رسوله صلّ الله عليه وسلم.
ولهذا معاني الرزق وأوسع ودلالته اشمل. فالرزق في الإسلام ليس مقصوراً على المال، بل هو كل نعمة يرزقها الله للإنسان: العلم نعمة، والصحة، والعقل، والسكينة الروحية، وحتى البركة في الوقت والعمل. “رزقك يعرف عنوانك، وأنت تجهل عنوان رزقك”، كما يقول الشعراوي، فالرزق مكتوب ومحدد، يأتي للعبد وإن لم يكن يدري كيف أو من أين. كم من صابر مفتون بقلة المال، لكنه ينجو بجودة الصحة وصفاء النفس.
واما التماس الأسباب وبناء الرزق على الطاعة وفق منطق الغزالي، فانه لا تعارض بين التماس الأسباب وبين التوكل على الله، بل السعي مشروع ومرغوب فيه بشرط أن يكون مبنياً على الطاعة والتقوى. يقول الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، ويربط الغزالي بين العمل والاجتهاد وبين حال القلب في التوكل الصادق. ومن يأخذ بالأسباب، ويتبع سنة النبي الكريم صلّ الله عليه وسلم في الطاعة والعبادة، ييسر الله له رزقه ويوفقه في خيارته. وأما من يركن إلى نفسه، ويترك التوكل أو يظن أن الأسباب وحدها تكفي بلا رضا الله، فإن الله يوكله إلى نفسه، وربما يجد ضيقاً في الرزق ووحشة الروح مهما كثر المال في يده.
وهناك التوكل الصحيح وخيارات الإنسان. اذ التوكل الحق ليس ترك التماس الأسباب، بل هو الأخذ بها مع الاعتماد الكامل على الله والاستقامة على منهجه، والعمل بنور الشريعة وسنة الرسول صلّ الله عليه وسلم. ينبه الغزالي إلى مسألة مهمة: بان من يعتمد على تدبير نفسه ويهمل أمر الله وسنة رسوله، يوكله الله إلى نفسه، فيخوض معترك الحياة وحيداً، فيفقد البركة والعون ويكثر همّه وضياعه. أما من جعل التوكل ركناً، وأخذ بالأسباب وفق الشريعة، فالله كافيه ومعينه، ويأتيه رزقه من حيث لا يحتسب، ويجد البركة في كل جوانب حياته مهما تغيرت الظروف.
واذا كان من رسالة للشباب السعودي، فإن على شباب اليوم في السعودية وكل مسلم ساعٍ للعمل أن يتعلم أن الأرزاق تُطلب بالسعي في الطاعة وباتباع سنة المصطفى صلّ الله عليه وسلم، وأن التماس الأسباب ليس تبعية للمادة ولا تناقض مع التوكل. فمن وكل أمره لله وطرق أبواب العبادة والعمل الصالح، حاز البركة الحقة التي لا تغني عنها كنوز الأرض، بينما من اختار الاعتماد على نفسه وتجاهل سنن الله في الكون، خسر السكينة والبركة، ووُكِل إلى ضعفه وتدبيره القاصر. رزقك مكتوب فأحسن الطلب بحسن الطاعة، وأحسن التوكل بالاجتهاد وصدق الإنابة، واجعل قلبك مفتاح أبواب الرزق الرباني.
