راس العلم تقوى

سعيد محمد بن زقر

للشاعر ابي اسحاق الالبيري ابيات تضمنتها قصيدة شهيره تعرف بتائية ابي اسحاق وتبدأ بـ”رأس العلم تقوى الله” ، وتمضي القصيدة في سياق النصح والإرشاد والحكمة لتلخّص الفلسفة التربوية العميقة التي تقول : العلم بلا تقوى وقيم لا ينفع، و”رأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال لقد رأستا”؛ أي أن جوهر التحصيل العلمي هو صلاح العمل وغرس التقوى.
ويدور موضوع القصيدة حول مجموعة نصائح يقدمها الشاعر لابنه أبي بكر حيث يحدثه عن: ضياع العمر، والاقتراب من الموت، والانخداع بالدنيا، ويدعوه للأخذ من العلم النافع، ولعل الشاعر يقصد بالعلم النافع العلم الشرعي، كما يدعوه أيضًا بالعمل بالعلم الذي تعلمه وذلك بقوله:
إِذا ما لَم يُفِدكَ العِلمُ خَيرًا
فَخَيرٌ مِنهُ أَن لَو قَد جَهِلتا

ويصح الاستنتاج بان هناك علاقة قوية بين هذا النوع من الشعر وتطوير التعليم بالسعودية واي دولة أخرى.
فأبيات أبي إسحاق الالبيري تصلح أن تكون بوصلة للطلاب والمعلمين والمعلمات ولصناع القرار في التعليم وخاصة عندما يتعلق الأمر بتطوير المناهج، باعتبارها اهم وسيلة لرفع معيار المخرجات من مجرد تحصيل معرفي إلى بناء جيل يجمع بين العلم والضمير. وبحمد الله ان السياسة التعليمية في المملكة وضعت فعلاً القيم الإسلامية والتقوى ضمن أهدافها العليا، ولهذا فإن قوة النظام التعليمي تقاس بقدرته على بناء الشخصية القيمية المنتجة.

وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى وجود أدلة رقمية عن الأثر الاقتصادي للمناهج.
في الحقيقة ان نسبة إدماج القيم الاقتصادية في مناهج التعليم السعودي بلغت 46.78% لمحور التنمية الاقتصادية ضمن سياسات التعليم الحديثة، و40.35% لمحور الإنتاج، وهي مؤشرات تظهر أن التعليم الذي يرتكز على القيم يترجم مباشرة لتنمية اقتصادية وتحفيز العمل والإنتاجية.

الدراسات الاقتصادية السعودية الحديثة أثبتت أن الاستثمار في التعليم النوعي القيمي يساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقريبية تتجاوز 1.2% سنوياً إذا ما رُبطت المناهج بتحفيز العمل، الإتقان، وقيم الأمانة.

وهناك افتراضات تشير إلى أنه لو كانت سياسة التعليم في الفترات الماضية ما قبل الرؤية قائمة بشكل أكبر على فلسفة “رأس العلم تقوى الله”، لكان بالإمكان رفع المجموع الكلي للنمو الاقتصادي بحد أدنى 10%-14% عبر تقليل التسرب والمسؤولية الأخلاقية للمتعلمين وزيادة جاهزية الخريجين لسوق العمل.

فما هو الأثر المستقبلي: إذا ما طبّقت فلسفة “رأس العلم تقوى الله”؟
من المقطوع به انها ستقلل من البطالة بنحو 2-4% خلال خمس سنوات. وذلك من خلال توفير مخرجات تعليم تحمل قيم الأمانة والاجتهاد والانضباط المطلوب في القطاع الخاص والعام.

كما سترفع معدل ريادة الأعمال والابتكار أكثر من 8%، وفقاً للعلاقة الطردية بين التشبع الأخلاقي ونشوء المشاريع الرائدة والمنتجة.

وستقوي النسيج الاجتماعي، وتقلل من جرائم الفساد الإداري والأخلاقيات السلبية التي تكلّف الاقتصاد الوطني هدراً قد يعادل مليارات الريالات سنوياً في كل من القطاع الحكومي والخاص.

خلاصة عملية لصناع القرار

لابد أن تُصبح فلسفة الأبيات (“رأس العلم تقوى الله”) اساس ومنطلق في مراجعة مناهج التعليم:
بحيث أي منهاج ومخرج تعليمي لا يقاس بقدر ما يترجمه الخريجون من مسؤولية وتقوى في السوق، ينبغي إعادة تقييمه.

وضع معايير للتقويم تعتمد على مؤشرات القيم الفعلية لدى الطلبة والخريجين، وليس فقط معدلات النجاح المعرفي. ان في ذلك الاستثمار الأكثر أماناً وربحاً للوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى