دروس من مدرسة محمد عبيد بن زقر رحمه الله

سعيد محمد بن زقر

هذا المقال يتعلق بالقناعة والرضا بما قسمه الله. وأشير في مستهله إلى بعد تربوي تلقيته وانا في مرحلة شبابية من حياتي عندها (رميت بقبعتي) كما يقولون في سلة انتخابات مجلس ادارة الغرفة التجارية بجدة، وبحمده وفضله ودعم الوالد رحمه الله واصدقائه من رجال الاعمال والصناعيين ، كتب لي التوفيق ونلت ثقة المنتسبين للغرفة. وبعد اعلان النتائج بدأت اجتماعات مجلس الادارة وشعرت بأنني حققت شيئا وساقدم من خلاله خدمة لقطاع الاعمال والصناعة. وارجو ان اكون وزميلي حسن ابو طالب بالفعل قدمنا شيئا في الملف المكلف به وخاصة ملف هوية الغرفة بشعارها الجديد. ولذلك كلما امر بالمنطقة استعيد تلك الايام الخوالي واترحم على من رحل عن دنيانا من الزملاء.
والشاهد خلال فترة الغرفة التجارية جلست الى الوالد رحمه الله استمع إليه. وفي يوم فاجاني بسؤال: انت يا سعيد ماذا (تبغي ) في هذه الدنيا؟ وكان كاتب السطور وقتها في قمة طاقته الشبابيه، فسارع إلى القول “بأنني اريد تحقيق مليار ريال قبل بلوغ سن الاربعين.” لكن الاجابة لم تسعد الوالد رحمه الله. ولذلك صمت لفترة طويلة ثم رد علي بالقول: “اذن لقد اخترت طريقا غير طريقي.” ثم سكت. وانتظرت الوالد طويلا ليعقب عليّ او يرد ولكنه لم يفعل. أيقنت عندها أنه رافض للركض دون توازن خلف المادة. ولكن ذلك السؤال والصمت الذي اعقبه غير مسار حياتي إلى أبد. فقررت منذ تلك اللحظة أن أعيش لدنياي “كأنني أعيش أبدا واعمل لآخرتي كأني أموت غدا”. اي تحقيق التوازن بين الدين والدنيا . فتحقيق التوازن بين متطلبات الدنيا ومتطلبات الآخرة؛ مطلوب بحيث نعمل للدنيا والاجتهاد في شؤونها كأنها ستدوم ابداً ، وفي نفس الوقت العمل لما بعدها بالتماس الخيرات والأعمال الصالحة. مع الرضا بما قسمه الله وأن اكون متوازناً في الحياة.
ولهذا الحديث صلة بالمقولة “ارضَ بالدون من الدنيا مع الحكمة” وهي مقولة تحمل معنى عميقًا جدًا وهي من تراث الحكماء والزهاد.

والمقصود منها أنّ من أوتي الحكمة فقد نال أشرف ما في الوجود، ولذلك لا يضيره إن كان نصيبه من الدنيا قليلاً أو دونًا، لأن الحكمة أغلى وأبقى من حطام الدنيا. فالمعنى الابعد والأعمق : اقنع بالقليل من متاع الدنيا إذا كان معك العلم والحكمة، ولا تشغل قلبك بطلب المزيد من الدنيا الفانية مع فقدان البصيرة.

في ضوء الحكمة الإسلامية:

قال تعالى: “وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا”، قال المفسرون أي أنّ الحكمة خير أعظم من الأموال والمناصب.
وكان كثير من السلف الصالح كانوا يقولون: العلم والحكمة يغنيان صاحبهما حتى لو قلّ ماله.

البعد التربوي للعبارة :
ان هذه العبارة تربي النفس على:
القناعة: الاكتفاء بالقليل مما يسّر الله.

تقديم المعنى على المادة: أن الحكمة والعقل الراجح أغلى من زخارف الدنيا.

الزهد: الدنيا درجات، ومن طلب أعلاها ضيّع نفسه، ومن رضي منها بالدون عاش مطمئنًا.

فكأن العبارة تقول: “إن حصلت على الحكمة، فلا تأسَ على فوات ما سواها، ولو لم تنل من الدنيا إلا القليل”.

واذا كان حجة الإسلام الامام غزالي رحمه الله بين شبابنا اليوم وطلبنا منه ان يحدثنا بأسلوبه المتفرد حول هذه الحكمة لقال: يا بني، أوصيك بما أوصى به الحكماء قديماً وحديثاً: أن تغتبط بما قسم الله لك من أمور الدنيا، ولا تدع لهاث النفس إلى متاعها ينسيك أعظم ما ينبغي تحصيله: الحكمة.

ومن الحكمة أن تدرك إن غذاء القلب العلم والتعليم كما أن غذاء الجسد الطعام، ومن فقد عقلَهُ وضيَّع بصيرته وأقبل على الدنيا بقلب فارغ، فهو كمن يجمع التراب ويترك اللؤلؤ.

ولو رأيت أقواماً تزهو بهم الدنيا بزيفها وفتنتها، فاعلم أنما يملكونه ظل زائل، وأن نعمة الحكمة وضياء القلب كنز لا تذهبه الليالي، ولا يُستبدل بمال ولا جاه.

القناعة كنز لا ينفد، ومن جمع الحكمة فقد جمع الخير كله؛ فانظر لحالك: أيغنيك المال إن فارقك عقلك؟ أو يرفعك الجاه إذا ضلَّ قلبك وساءت بصيرتك؟.

لا تزدحم على باب الدنيا المزحومة ومتعها الزائلة، بل اجعل مرادك صفاء النفس ونور القلب، وارضَ بالقليل إذا صاحبَهُ عقل مستنير.

فما الحكمة إلا نور ينير الطريق، ويورث الطمأنينة والاستقامة في العمل والأخلاق، ويجعلك تعيش ملكًا وإن لم يكن في يدك من متاع الأرض إلا القليل، فعندها تكون أغنى الناس وأشرحهم صدراً.
قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه (القناعة كنز لا يفنى). ذلك لانه حينما يقتنع الإنسان بما عنده يكون أغنى الناس وأسعدهم . وهذا يعني أنه لا يحمل الحسد تجاه الآخرين ولا تصيبه الغيرة من ما يملكون وهو بذلك يعيش حالة من الرضا الذي لا يعيشه حتى من يملك أكثر منه. وقد يتصف بالحكمة انسان فرد وقد تتصف بها امه كاملة وقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة ورواية البخاري هي : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى