دبلوماسية التاشيرات والمشهد الاقتصادي والاجتماعي في امريكا

سعيد محمد بن زقر

بات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع رسوم فيزا العمل (H-1B) إلى 100 ألف دولار سنويًا مكان نقاش سياسي واقتصادي واجتماعي واسع. وقد جاء القرار ليعيد تشكيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي للعمالة الأجنبية في الولايات المتحدة بشكل جذري.

فما هو الأثر الاقتصادي للقرار ؟

الزيادة الهائلة في الرسوم على تأشيرة العمل تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الشركات، خصوصًا شركات التكنولوجيا والابتكار التي تعتمد على الكفاءات الأجنبية من أجل تطوير منتجاتها وتوسيع أعمالها. فهذه الشركات كانت تدفع رسومًا تتراوح بين 750 إلى 2800 دولار سنويًا، ولكنها الآن مطالبة بدفع 100 ألف دولار عن كل عامل أجنبي ماهر، الأمر الذي سيجبرها إما على تقليل استقدام الموظفين الأجانب أو رفع أسعار خدماتها وتعويض التكاليف المرتفعة.

من المتوقع أن تتضرر الشركات الناشئة والابتكارية بشكل أكبر، إذ أن قدرتها على تحمل هذه التكاليف أقل مقارنةً بالشركات الكبيرة. وقد يؤدي القرار إلى تراجع القدرة التنافسية للشركات الأمريكية أمام نظيراتها العالمية، ويهدد بانخفاض معدل الابتكار، بالإضافة إلى احتمال انتقال بعض الشركات إلى دول أخرى أكثر مرونة في استقطاب الكفاءات الأجنبية.

واما بالنسبة للأثر الاجتماعي:

فعلى المستوى الاجتماعي، يُعد القرار بمثابة رسالة قوية لتفضيل العمالة الأمريكية على حساب الكفاءات الأجنبية. وهذا مفهوم بافتراض أنه سيحد ذلك من تدفق المهاجرين ولكن ماذا عن المهاجرين ذوي المهارات العالية، كما أنه يقلل من التنوع الثقافي داخل بيئة العمل، وهو ما سيحرم المجتمع الأمريكي من الاستفادة من تجارب وخبرات متعددة هو في امس الحاجة إليها.

ومن جهة أخرى فإن هذا القرار سيخلق حالة من التفرقة الاجتماعية بين الأجانب ذوي الإمكانيات المالية الكبيرة والفئات الأقل قدرة، حيث ظهرت أيضًا تأشيرات جديدة مثل “البطاقة الذهبية” (مليون دولار) و”البطاقة البلاتينية” (خمسة ملايين دولار) وهي بطاقات تمنح حامليها ميزات استثنائية وهي بالتالي للأثرياء فقط. على أن هذا التوجه سيزيد الفجوة بين طبقات المجتمع ويجعل الهجرة للولايات المتحدة متاحة لأصحاب الثروات، بدلاً من أصحاب الكفاءات والمهارات.

استنتاجات وانعكاسات للمستقبل

من المرجح أن تثير هذه السياسة ردود فعل قانونية وانتقادات سياسية واسعة، نظرًا لتأثيرها السلبي على القطاعات الحيوية ودورها في تقليص التنوع والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي للولايات المتحدة. وقد يدفع القرار الشركات الأمريكية إلى البحث عن ابتكارات بديلة أو نقل أنشطتها للدول التي تقدم بيئة أكثر جاذبية للمواهب العالمية.
ومع ذلك فإن المستفيد الأساسي من قرار فرض رسوم 100 ألف دولار على فيزا العمل في أمريكا هو الحكومة الأمريكية نفسها لانها تسعى لتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية الماهرة وإجبار الشركات على توظيف العمال الأمريكيين. كذلك، ستتحقق استفادة لجزء من سوق العمل المحلي خاصة بين الخريجين الجدد والمهارات المحلية، حيث سيصبح لديهم فرص أوفر للتوظيف بسبب صعوبة استقدام الأجانب بنفس الكثافة السابقة.

أيضًا، قد يستفيد بعض الأفراد أو الشركات الكبيرة جدًا، القادرة ماليًا على دفع هذه الرسوم، من تقليل المنافسة الأجنبية في سوق العمل الأمريكي، وبالتالي حماية وظائف الأمريكيين وتقليل المنافسة على الأجور في بعض القطاعات. وأخيرًا، سيستفيد أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة من برامج “البطاقة الذهبية” و”البطاقة البلاتينية” التي تسمح بالدخول والإقامة مقابل مبالغ ضخمة، حيث يُمنحون استثناءات في حين يُقيد البقية.
ولكن هذا القرار ليس بلا سلبيات أو اضرار اذ بالمقابل، سيضر القرار الشركات الصغيرة والابتكارية، ويفقد الاقتصاد الأمريكي الكفاءات العالمية التي كانت تشكل مصدر قوة للابتكار والنمو وخاصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى