خطب الجمعة وأسلوبها بين زمن النبوة وواقعنا
في مسجد الحي الذي أقيم فيه، يجتمع اهل الحي والاحياء المجاورة كل جمعة للصلاة والاستماع إلى خطبة الإمام، التي غالبًا ما تدور حول شرح آية من كتاب الله وموعظة نافعة لأهل الحي وللمصلين بعامة. فالجمعة في عرف المسلمين بمثابة شامة في ايام الأسبوع وعيد لكل منا في ختامه. ومشهد خطبة الجمعة والاستماع إلى الامام يبعث في النفس تساؤلاً عن هدي النبي ﷺ وصحابته والتابعين في خطب الجمعة والأعياد: وكيف كانت خطبهم؟ وما سر تأثيرها وانتشارها؟ وهل نحن على خطاهم اليوم؟
هدي النبي ﷺ وخطبائه في الجمعة
مما يلاحظ أن خطب النبي ﷺ كانت قصيرة، موجزة الكلمات، عظيمة المعاني؛ وقد وصفها الصحابة بالقول: “كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات”، وكان اختصار الخطبة علامة على فقه الخطيب وقدرته على إيصال المعاني العميقة بأوجز الألفاظ. ومن هديه ﷺ وسنته المؤكدة أن يخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلوس قصير دون كلام، ثم يختم بالدعاء للمؤمنين. ونقلت الينا كتب الفقه والسيرة بان النبي ﷺ افتتح غالب خطبه بالحمد والثناء على الله والشهادة برسالته، ثم مضى إلى بيان ما يحتاجه الناس من أمور دينهم ودنياهم، وربما تناول آية فشرحها وعظاً وبيانًا. ولذا كان اثر خطبه في الصحابة بالغًا، حتى كانوا يتلقفوا معانيها ويحفظوا جملها، ويهتمون بأصول العقيدة وقضايا الأمة الكبرى.
خطب العيدين: تكبير وموضوعات الوقت أما في العيدين، فقد ورد عن التابعين، كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن من السنة النبوية الشريفة أن تفتتح خطبة العيد بتكبيرات (تسع في الأولى وسبع في الثانية)، وأن تتناول الأحكام المناسبة، مثل زكاة الفطر في عيد الفطر أو الذبح في الأضحى. ويستحب للخطيب أن يكبر أثناء الخطبة ويكبر الناس بتكبيره. وكان مضمون خطبة العيد مختلفًا، حيث يراعي الإمام المناسبات والأحكام الشرعية المتعلقة بذلك اليوم. وفي هذا السياق يرى الشيخ عبدالسلام الشويعر في معرض شرحه للفرق بين خطب الجمعة وخطب العيدين، بأن خطب الجمعة الأصل فيها بيان الإيمان والتوحيد والموعظة المستمرة، بينما العيدين تركز على الأحكام الخاصة بالموسم مثل الزكاة أو الأضحية. كما أوضح أن من السنة في خطبة العيدين افتتاحها بالتكبير، وأن يجلس الإمام بين الخطبتين، لتسود السنة النبوية في أداء هذه الشعيرة.
ويصح الاستنتاج بأن : جوهر الخطبة قوة مضامينها لان خطب الجمعة النبوية حسّنتها البساطة وقوتها المعنوية؛ وكانت قصيرة، عميقة التأثير، تترك في النفس أثرًا لا يمحى. وما أحوج منابرنا اليوم إلى العودة لذلك الجوهر: من حيث التركيز على معاني القرآن وأحكام الشرع، الإيجاز غير المخل، ومخاطبة قلوب الناس بلسان الحق والرحمة، كما كان يفعل خير من وطئ الأرض ﷺ وصحبه الكرام رضي الله عنهم أجمعين. وهذه الخلاصة المستمدة من كلام الشيخ عبدالسلام الشويعر، وهدي السلف في خطب الجمعة والأعياد، تبرز أهمية استحضار روح الخطبة المؤثرة التي تجمع بين الوضوح، العبرة، وسلاسة العرض، كما كانت في العصر النبوي.
صيغة خطبة الجمعة النبوية
كما تمت الإشارة فان الصيغة النبوية لخُطبة الجمعة تبدأ عادةً بالحمد والثناء، ثم الشهادة، وتُتبع بالوصية بتقوى الله والموعظة، وغالبًا ما يُختم الخطاب بالدعاء. ومن أشهر ما نُقل عن النبي ﷺ في أول خطب الجمعة قوله :
الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل.
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط وضل ضلالاً بعيداً… وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه… وأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ومن هذه الخطبه الموجزة تتبين لنا عناصر الخطبة النبوية النموذجية.
فهي تبدا بالافتتاح بالحمد والثناء: “إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا…” والشهادتان: “وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله…”
الوصية بتقوى الله: “أما بعد،فاتقوا الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى”
ايضاً الموعظة وتذكير الناس بأوامر الله وآيات القرآن. كما نلاحظ ان ختام الخطبة ينتهي غالباً بدعاء للمؤمنين، والاستغفار، كما كان النبي ﷺ يقول: “أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم”.
وهذه الصيغة اختصرها العلماء في ما يُسمى “خطبة الحاجة” وتبقى هي الأساس النبوي المتواتر للجمعة وسائر المحافل الإسلامية.
ومن الملاحظات التي ترد على الخاطر
قراءة سورة “ق” في خطب الجمعة، ودلالاتها في استلهام السنة النبوية ومعاني السورة العميقة. وفي الحقيقة تنبع أهمية العودة لاستلهام مضامين خطبة الجمعة في عهد الرسول صل الله عليه وسلم ما تمر به المجتمعات المسلمة من تحولات متسارعة، ويزداد انشغال النفوس بالدنيا، فتحتاج الخطب إلى ما يعيد لها أثرها وهيبتها الأولى. وبالعودة إلى قراءة سورة “ق” في خطب الجمعة ليست مجرد تقليد ظاهري، بل رجوع إلى معين النبوة وبلاغ القرآن وهزيم النفس للمغريات. فقد كان النبي ﷺ يكثر من قراءة سورة “ق” في خطب الجمعة. وورد ان بعض الصحابة ما حفظ السورة إلا من خلال تكرار سماعها من النبي على المنبر. والسلف رأوا أن في هذا دليلاً على أهمية أن تدور خطبنا حول القرآن مباشرة، وبخاصة السور التي تطرق أبواب البعث والموت والموعظة الحسنة والقوية، تحقيقًا لغرض الخطبة في استنهاض القلوب وتذكير العقول.
اما لماذا قراءة سورة ق؟ فلان سورة “ق” تحمل مضامين عظيمة: ذكر فيها بدء الخلق، والموت، والبعث، والحساب، والجنة والنار، والزواجر الصارخة للغافلين، والوعد للخائفين الصادقين. وفيها تصوير مشهدي لمواقف القيامة، وتذكير حاسم بقرب الأجل وضرورة إعداد الزاد. ولهذا فإن كل خطيب يرجو بركة خطبته فانه لا يجدها إلا في مثل هذه الآيات فهي جامعة للقلوب وموقظة للنائمين ومنبهة للغافلين.
واما سؤال كيف نحيي هذه السنة؟
فان العودة لخطبة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تعني فقط الاكتفاء بترديد العبارات وبقراءة ألفاظ السورة، بل المطلوب المواكبة في انتقاء مادة الخطبة واختيار الكلمات التي تناسب مقتضيات الحال وبالذات الشباب فضلاً عن قراءة مرتلة ويفضل أن تُشرح بطريقة ميسرة اثناء الخطبة ، مع ربط معانيها بواقع الناس، والتذكير بعاقبة الغفلة وسرعة الفوت.
ولهذا فإن الدعوة الموجهة للخطباء ورواد المنابر جزاهم الله خيرا التاكيد بان الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى تذكير دائم بلقاء الله ويوم الجزاء، وكلما قويت الرابطة بين المنبر والقرآن، وخاصة بسور كـ”ق” التي طالما هزت أجيال الصحابة، كلما عادت للخطبة هيبتها ودورها الإصلاحي. ومهما يكن فان
العودة لسورة “ق” في خطبة الجمعة ليست رجعية، بل تحمل دلالات التجديد وانبعاث لأثر النبوة وحكمة الوحي وصدق التذكرة، كما علمنا سيد الخطباء ﷺ. كما أن العودة لسورة ق في خطبة جمعة تاكيدا على فضل سورة ق وفوائد تلاوة السورة في يوم الجمعة. نسأل الله يوفقنا أجمعين لسماع القول واتباعه والعمل به.
