حوار مع القراء
نبهني أحد الأصدقاء إلي ضرورة الاطلاع على التعليقات التي وردت على سلسلة مقالاتي السابقة حول (هجر القران وعلاقته بإنكار السنة) . وعندما اطلعت على التعليقات وجدت أن مضامينها تدور حول منزلة السنة النبوية الشريفة وانها محفوظة كما يحفظ الله القران الكريم وانه لا يمكن الفصل بين حفظ السنة من حفظ القرآن. ولكن كما اشرت في المقالات هناك من يثير الشكوك بسبب الجهل حول حجية الحديث النبوي الشريف.
وهذا النوع من التعليقات معظمها يدور حول فكرة واحدة تقريبا- وهي الفكرة قد تكون مسيطرة على بعضنا بدون استثناء – ومفادها أن ( هناك من يرفض احاديث الآحاد بالمطلق ولا يقبل إلا بالمتواتر).
ويستلزم من كاتب السطور اعادة التاكيد على ان السنة النبوية الصحيحة
علم قائم بذاته وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وتحظى بحجية ملزمة شرعًا، وهي وحي من الله تعالى، وبيان عملي للقرآن، وقد أتفق أهل العلم على كونها المصدر الرئيسي للتشريع بعد القرآن، وينبغي التمسك بها والعمل بما فيها قول واحد، لضمان الفهم الصحيح للدين وتجنب الضلال.
ومن التعليقات المفيدة التي تعزز هذا الاستنتاج تعليق احد كرام المتابعين وأشادته بالمقالات وقوله أن هذه المقالات (رائعة من الروائع ونسأل الله أن يبارك لكم في هذا التقرير الصحيح السليم ويجعل التطبيق والعمل سليماً صحيحاً مثل القول والتقرير. مع التنبيه على دعوى إسقاط السنة بالتفريق بين حديث الآحاد والمتواتر وغيره من الدعاوى، لا يصح بحال وافتت هيئة كبار العلماء بكفر من أنكر ورد أحاديث الآحاد )…. ورغم أن كاتب السطور قارئ محب للقرآن الكريم والسنة النبوية إلا أنه يتفق مع هذا التعليق وتعليقات بعض القراء. واما من ارسل مقطع مقابلة سيدي سمو ولي العهد الامير محمد بن سلمان حفظه الله فان ما قاله سموه الكريم فصحيح تماماً . فقد اكد سلمه الله ان هناك تصنيف للحديث من حيث الصحة ومن حيث ان كان الحديث حسن او ضعيف او انه خبر. وان الحديث المتواتر رغم ان عدده قليل الا انه ملزم شرعاً، وهو الحديث الذي رواه جمع غفير من الرواة في كل طبقة من طبقات السند، لدرجة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهو حجة قطعًا ولا ينظر في إسناده. وينبغي أن لا يُخلط القارئ الكريم بين الحديث الحسن والمتواتر، لأن الحديث المتواتر هو المرجع الأساسي في استنباط الأحكام الشرعية كما قال سمو ولي العهد حفظه الله. مضيفاً ما كان صحيحا يؤخذ به في الاحكام وهو موقف يتفق مع ما ذهب إليه الإمام ابو حنيفة والامام مالك والشافعي وأحمد وابن تيمية وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله جميعا. فاحاديث الآحاد (اي غير متواترة)، يمكن تصنيفها اما بالصحيحة أو الحسنة أو ضعيفة، بحسب درجة تقسيم الحديث. ومع ذلك لا يصح استخدام ضعف الحديث او عدم تواتره لإنكار حجية السنة النبوية الشريفة بالإطلاق. يضاف إلى ذلك بان هناك ضرورة للتفريق بين الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من الاحاديث النبوية الشريفة وبين التقليد. فالاجتهاد حسب العلماء بالمملكة هو بذل الفقيه أقصى جهده للوصول إلى حكم شرعي بناءً على الأدلة الشرعية وقواعد علمية، بينما التقليد هو الأخذ بقول الغير والأخذ بمذهب غيره دون معرفة دليله أو تفاصيل الاستدلال. فالاجتهاد اذن يتضمن البحث المواكب لتغيرات العصر والفهم العميق للأدلة، أما التقليد فيتضمن الأخذ بالنتيجة دون الغوص في طريقة الوصول إليها. ولا شك أن هناك علماء راسخون بذلوا جهودا جبارة واجتهدوا لتأسيس علم الحديث وهم من اسس لدرجات صحة الاحاديث النبوية وهم من صنفوا الاحاديث المتواترة. وهم من قسم الحديث إلى أربعة أقسام، الحديث الصحيح لذاته، وهو الحديث الذى اتَّصل سنده بنقل العدل التام الضابط عن مثله، من أوّل السند إلى آخره، وله شرطان أن يخلو من الشذوذ ومن العلة. ومنه الحديث الصحيح لغيره، وهو الحديث الذى اجتمعت فيه شروط الحديث الحسن لذاته، فرُواته أقل ضبطاً من رواة الحديث الصحيح لذاته، كذلك الحديث الحسن لذاته، وهو الحديث الذى اجتمع فيه شروط الحديث الصحيح لذاته لكن راويه خف ضبطه، ولا يوجد ما يجبر ذلك القصور. وهناك الحديث الحسن لغيره، وهو الحديث الضعيف الذى انجبر ضعفهُ بتعدُّد طرق روايته حتى ترجَّح قبوله. وأما الحديث النبوى الضعيف فانه ينقسم إلى أقسامٍ كثيرة منها، الحديث الضعيف بسبب فَقد العدالة والضبط، الحديث الضعيف بسبب فقد الاتصال، الحديث الضعيف بسبب وجود الشذوذ أو العلة، الحديث الموضوع والمختلق والمكذوب على النبى صلّ الله عليه وسلم، ويعتبر أسوأ أنواع الحديث الضعيف.
ولهذا أعود لاؤكد ان حديث سيدي ولي العهد سلمه الله حول محدودية عدد الاحاديث المتواترة في مقابل احاديث الآحاد الكثيرة جاء في سياق انها ايضا مصنفة حسب درجة صحتها. وهذا العلم متوفر ومبثوث في كتب الحديث ولكن عدم تسليط الضوء على مفاهيمه ومقاصده احدث عدم فهم عند بعض من يعلقون على المقالات ليفهم من تعليقاتهم بان هناك خلطاً لديهما حول الأحاديث الصحيحة والضعيفة في صحيح البخاري وذلك بسبب سوء فهم ظاهر بعض الأحاديث أو تعارضها مع آيات قرآنية، مما يدفع البعض للتشكيك فيها بدلًا من الرجوع إلى شروحات العلماء المتخصصين. فالجمهور من العلماء المسلمين اتفقوا على أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد القرآن الكريم، ومع ذلك، فقد يكون هناك أحاديث قد لا تكون على شرط البخاري وبعض الأحاديث قد تبدو ضعيفة بسبب القصور في فهمها دون النظر إلى ادلة أخرى او العودة لشرح سادتنا العلماء لها. وقد سئل الشيخ ابن باز عن هذه الجزئية بشان صحيح البخاري ومسلم فقال رحمه الله (ليس فيهما أحاديث ضعيفة، كلها مقبولة عند أهل العلم، كلها صحيحة مقبولة، مُتلقَّاة بالقبول عند أهل العلم، والبخاري في القمة، ثم يليه مسلم).
نقطة اخرى استوقفتني وهي إذا كنا جميعا على قناعة تامة بأن هناك نقص في الثقافة الإسلامية في منطقتنا العربية بعامة وخاصة فيما ما يتعلق بعلوم الحديث والعلم بتقسيمات وتصنيفات العلماء واستيعاب هذه الشروح فان هذا الجهل بتراثنا الإسلامي ينبغي أن نقر به وان ندرك أنه هو سبب الخلافات الفقهية. وان لا ننشر في وسائل التواصل الإجتماعي ما لا نعلمه. وهذا يعني أن ما قاله سمو سيدي ولي العهد سلمه الله في المقابلة التي ارسلها احد القراء ، كان حديثاً صحيحاً تماما يتفق مع رأي علماء المسلمين وقد وجد حديثه سلمه الله ، التنويه والثناء من العديد من الفقهاء ومراكز البحوث الإسلامية المعتبرة ، وذلك لان جميع الائمة اتفقوا على أن الحديث الصحيح هو كل ما قاله النبى محمد، صلّ الله عليه وسلم، أى كل ما ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو صفة خلقية أو سيرة وردت عنه، سواء كانت قبل البعثة أم بعدها.
ومهما يكن يكن فإن الاعتناء بالسنة النبوية الشريفة يعتبر جزء لا يتجزأ من النظام الاساسي للحكم بالمملكة وقد بلغ اعتناء القيادة الرشيدة بها ان انشأ لها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان سلمه الله، مركزا فريداً في نوعه متخصصا في خدمة السنة النبوية. والمملكة هي دولة الاولى في الإعتناء بالقرآن والسنة النبوية الشريفة على مستوى العالم ، وهناك علماء كبار اهل عطاء علمي كبير يشار إليهم بالبنان مستشارون بالديوان الملكي مثل الشيخ سعد الشتري المستشار بالديوان الملكي وهو من كبار المحدثين وله مختصر عصري ممتاز لصحيح البخاري وتحقيقات واسعة للأحاديث خارج الكتب التسعة. فالقران والسنة في تراث سادتنا توأمان لا ينفصلان وسيظل المسلمون في المملكة وغيرها يعضون عليهما بالنواجذ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
