(جوعان للحفاظ على سمعتي لأن سمعتك هي كل اللي عندك)
هدف كاتب السطور من إعادة بث قصص الأرشيف العائلي، نقل الخبرات والمثاقفة وتبادل أفضل الممارسات في مجال الأعمال بالمملكة ومنقطتنا. عندما تخرجت من الجامعة في عام 1996م، بدأت أولى خطواتي في المعارف العملية عبر اكتساب مهارات تطبيقية لما تعلمنا في قاعات الجامعة. ومن حسن الحظ لم نأت للعمل الأسري دون خلفيات. ومن هذه الخلفيات أذكر وأنا صغير أن جدي سعيد رحمه الله على طريقته قال لنا (إن سمعتك هي كل اللي عندك ) . وأحيانًا كان يضيف الوفاء بالعهد وإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه من أهم أركان السمعة الحسنة. وفهمت منه أن من العدل أن لا تعطي الأجير أجرة المتفق عليه فقط بل ما يقابل الزمن المتفق عليه أي عدم استغلال جهود الآخرين واستغلالهم. وظل يشدد على أن بناء السمعة يستغرق عمر أجيال بينما هدمها لا يحتاج إلا لحظة قصيرة. وكان عمي وهيب رحمه الله في نفس السياق لديه عبارة شائعة وهي (أن صيت الأسرة أكثر من ثرائها). لهذا عندما يحاول أحدنا وضع هذه الخبرات في ميزان الأبحاث الأكاديمية التي درسناها في الجامعة، يجد أن السمعة من أهم الأصول الغير محسوسة للمنشأة . وأن السمعة تشكل صورة الشركة وما إن كانت موثوقة أو غير موثوقة وصادقة أم مدلسة وما إن كانت منتجاتها ذات جودة أو مغشوشة. وأحياناً سمعة الشركة من سمعة صاحبها ومن السمعة يحكم عليها الجمهور وسائر العملاء والموردين والبنوك. ومن قصص الإرشيف في هذا الجانب أسلوب الباب المفتوح. وفيه يتم الاستماع لكل العاملين ولجميع وجهات النظر سواء كانت خاصة أو متعلقة بالعمل. ولا فرق بين مدير في أعلى السلم أو عامل في أدنى الهيكل الوظيفي. فالجميع فريق عمل واحد وأسرة ممتدة ويجب أن تسود بينهم روح الفريق بقدر الإمكان. وهذا أسلوب عزز الولاء للشركة ولسمعتها في نظر العاملين بها. وهو أسلوب أسسه جدي رحمه الله وكان يستقبل الموظفين، واستمر الأسلوب في المكتب وإلى البيت. فقط اضطرتنا الجائحة تعليقه التزاماً بالإحترازات الصحية. وآمل أن يستأنف متى انتفت الدواعي.
والدرس الثاني في هذا الإرشيف، كيفية التعامل مع أي شريك أجنبي أختلف مع شريكه السعودي، وجاء إلى الأسرة وقال بأنه يرغب في إيجاد بديل لشريكه لأسباب رآها. فلدى أسرتنا مدونة سلوك ثابتة ورد محفوظ وهو نشكرك على ثقتك فينا ولكننا طالما أنت مع شريك سعودي فنحن لا نتفاوض أي صاحب علامة له وكيل بالمملكة ولا نقبل تمثيل أي شريك أجنبي كان لديه شريك سعودي. وحتى لو قال أنني تركت الشراكة فإن الرد يأتي في ذات السياق. وفي الغالب يتم نصحه بالبحث عن غيرنا لأن السوق كبير والفرص متوفرة وأننا ليس من طبيعتنا أخذ رزق شخص آخر. وقد يختلف الأمر طبعًا إذا صفى الشريك الأجنبي أعماله وغادر المملكة وانتفت الشبهة التي تخدش سمعة شركتنا فليس من ثقافة الأسرة ممارسة أساليب(الصيد) أو الركض خلف المنافع الضيقة. إنه موقف ملتزم بقوله تعالى (وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ). والشيء بالشيء يذكر. أذكر في عام 1997م انضممت لمكتب شركة يونيلفر في جبل علي بدبي. وأثناء العمل العادي جاءني مدير مديري في الشركة وهو من جنسية غير سعودية وقال لي يا سعيد هذا الملف الكبير به تعاملات الشركة والعقود والمذكرات القانونية مع دول مجلس التعاون الخليجي. فإن وجدت الوقت أرجو أن الإطلاع عليه ولكني حضرت لأطلعك على رسالتين ظلتا تأتينا سنويًا من اثنين من التجار السعوديين، مضمون الرسالتين متناقض فإحداهما تقول أن صاحبها سعيد بالتعامل مع شركة بن زقر بالمملكة لسمعتها وليس لديه من مانع في الاستمرار معها ولو عدلت الشركة في نسبة العائد وأنه لديه مباني ومكاتب يعرضها للاستفادة ولدعم الأعمال. وأما الآخر فيكتب خطابه السنوي ليتعهد فيه بأنه مستعد إرسال شيك مفتوح لشركة يونيلفر لتختاره كممثل حصري لشاي ليبتون. اطلعت على الخطابين وبعض أوراق الملف، ولكن المدير لم يطلب تعليقي. وتأملت في ذلك واستنتجت أن خطوته كانت تدريبية لنقل خبرات ولإطلاعي على أنواع من الممارسات في مجال الأعمال ولعله يريد تعزيز ثقافة الحفاظ على السمعة والالتزام بمدونة سلوك أخلاقية. كاتب السطور ينقل هذه الذكريات من الإرشيف للاستفادة منها وللعبرة بها وللتأكيد بأن المال مال الله والرزق مقسوم وما على الإنسان إلا أن يتق الله ويستقم.
