تنافسية الصناعة السعودية أمام تحديات فتح السوق الإماراتي: قراءة مقارنة وسياسات حماية
يمثل قرار السماح لشركات المناطق الحرة في دبي بالعمل مباشرة داخل السوق المحلي تحوّلًا استثنائيًا في بيئة الأعمال الخليجية، مع ما يحمله من تحديات متزايدة أمام القطاع الصناعي السعودي، وخصوصًا المصانع الوطنية التي تستثمر في التصنيع المحلي وتعمل بشراكات مع شركات دولية أو إقليمية.
تلعب المناطق الحرة في دبي دورًا اقتصاديًا محوريًا؛ إذ تبلغ مساهمتها حوالي 250 إلى 257 مليار درهم إماراتي في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل نحو 7% من اقتصاد الإمارة بحسب تقديرات 2023 – 2030، كما تجعل دبي واحدة من أكبر الحواضن للاستثمارات والشركات الأجنبية إقليميًا.
المنطقة الحرة بجبل علي وحدها تساهم بما يصل إلى 36% من الناتج المحلي لدبي، وتحتضن أكثر من 4000 شركة عالمية وتوفر أكثر من ربع مليون وظيفة مباشرة.
في المقابل، تركز السعودية عبر “مدن” على تنمية المدن والمناطق الصناعية، حيث هناك أكثر من 36 مدينة صناعية تضم أكثر من 4000 مصنع منتج وتتجاوز قيمة الاستثمارات الصناعية فيها 300 مليار ريال. تسهم هذه المدن بشكل أساسي في رفع الناتج المحلي الصناعي، مع خطط لزيادة القيمة الصناعية إلى أكثر من 1.4 تريليون ريال بحلول 2035. مدينة الجبيل الصناعية في السعودية تُعد الأكبر عالميًا من حيث المساحة والاستثمارات الصناعية.
أحد أبرز المخاطر المتوقع أن يُحدثها قرار دبي هو تصاعد المنافسة داخل السوق الخليجي؛ حيث تستطيع مصانع دولية الدخول إلى السوق الإماراتي، ومنه التوسع الخليجي، بكلفة أقل ودون الحاجة لتأسيس كيان محلي مستقل، مما يُضغط على هامش ربح المستثمرين الصناعيين في المملكة ويهدد بإغراق الأسواق الخليجية بالمنتجات المصنعة خارج السعودية، ويحد من استفادة المصانع من برامج التحفيز والمحتوى المحلي. مرونة الأنظمة في دبي وانخفاض التكاليف التنظيمية يزيد من قدرة شركات المناطق الحرة على التوسع السريع، ما يصعب على المصانع السعودية منافسته خاصة في القطاعات ذات الهوامش الربحية المنخفضة أو التكاليف المتغيرة العالية.
القطاعات الأكثر تعرضًا للتأثير تشمل:
• الصناعات الغذائية والتعبئة، حيث سهولة النقل والتوزيع الإقليمي.
• الصناعات الدوائية والمستلزمات الصحية، التي تتنافس ضمن مواصفات خليجية موحدة.
• المنتجات الاستهلاكية سريعة الدوران (FMCG) نظرًا لحساسية السعر وسهولة النفاذ للأسواق.
• القطاعات التقنية والخدمية التي تستفيد من بيئة دبي المنفتحة للابتكار وتملك الأجانب الكامل.
لحماية الصناعة المحلية والصادرات، تبرز عدة خطوات رئيسية:
• إعادة تقييم الحوافز الممنوحة للصناعات الوطنية وتخصيص دعم إضافي للقطاعات المعرّضة لمخاطر المنافسة الجديدة.
• تفعيل وتوسيع سياسات المشتريات الحكومية المرتبطة بالمحتوى المحلي، مع ضبط نسبة مشاركة المنتجات المستوردة في العقود الحكومية.
• الاستثمار في تطوير سلاسل الإمداد المحلية وتسهيل تصدير المنتجات السعودية مع شهادات مطابقة عالمية تعزز القدرة التنافسية.
• تشديد الرقابة على شهادات المنشأ واعتماد سياسات مكافحة الإغراق لحماية القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير العادلة.
وبحكم صلتي بالصناعة الوطنية السعودية فإن بعض القطاعات الصناعية كانت تعاني من منافسة غير عادلة من الاستيراد الموازي وخاصة في قطاع الحديد والصلب وقطاعات التصنيع الغذائي والعناية المنزلية والشخصية وغيرها من الصناعات الأخرى.
على أن الأرقام والدراسات تعكس حقيقة هذا الاستنتاج والفارق بين البيئة الصناعية السعودية القائمة على تصنيع عالي القيمة على أرض المملكة وبين نموذج المناطق الحرة في دبي القائم على تسريع الاستثمارات الأجنبية والتسهيلات التنظيمية. ولضمان استمرار تقدم الصناعات السعودية وتعزيز القيمة المُضافة للاقتصاد الوطني، يتطلب الأمر طيفًا من السياسات المرنة والحوافز التشجيعية المستدامة ضمن قراءة دقيقة للتحولات الإقليمية بهدف دعم ريادة الصناعة السعودية في المرحلة المقبلة.
