تكريم الرسول محمد في القران والسنة

سعيد محمد بن زقر
لقد كرم الله رسوله محمدًا ﷺ في القرآن بشكل لا نظير له، وزكاه في كل شيء: في عقله {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}، وفي بصره {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}، وفي صدقه {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}، وختم هذا التكريم بالشهادة الشاملة {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. بل إن الله رفع ذكر سيدنا محمد صراحة بقوله {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، مما يعني أن كل ما يصدر عنه محفوظ بحفظ الله. ومن علامات تكريم الرسول الكريم ان جاء ذكره باسم “محمد” أربع مرات، وبألقاب التكريم مثل “النبي” و”الرسول” وعبر مدحه والثناء عليه عشرات المرات، ويمكن القول إن مظاهر تكريم الله لرسوله قد وردت في مئات المواضع بشكل مباشر وغير مباشر في القرآن. وجاء اسم “محمد” صريحًا في القرآن الكريم أربع مرات في سور: آل عمران، الأحزاب، الفتح، ومحمد.
ذُكر النبي ﷺ بلفظ “الرسول” 53 مرة، وبلفظ “رسول الله” في 13 موضعًا، وبلفظ “النبي” في 31 موضعًا، وبلفظ “عبدنا” في موضعين. وبحسب بعض الدراسات، يقدّر عدد المواضع التي جاء فيها ذكر النبي ﷺ أو الإشارة إليه أو تكريمه بأكثر من 1200 آية، موزعة على مئات المواضع.
وهذا يدلل على أن النبي مبين للقرآن بأمر إلهي
لقد أقر القرآن بوضوح أن النبي ﷺ مبين للقرآن في قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}. وهذا البيان ليس اجتهادًا شخصيًا من النبي، بل هو وحي إلهي كما أكد القرآن {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. فإذا كان الله قد تكفل بحفظ الذكر {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافظُونَ}، فكيف يُعقل أن يحفظ المُبَيَّن ولا يحفظ البيان.
واما من جهة وحدة المصدر ووحدة الناقل فان نفس الفم نطق بالاثنين.
ومن أقوى الأدلة العقلية أن نفس الفم الذي نطق بالقرآن هو الذي نطق بالسنة، ونفس الصحابة والتابعين الذين نقلوا القرآن هم من نقلوا السنة، ونفس المنهجية في النقل طُبقت على كليهما. فالصحابة الذين نقلوا القرآن مثل عثمان وعلي وأُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت هم أنفسهم الذين تنتهي إليهم أسانيد السنة. فوحدة الناقل تضع منكري السنة في مأزق لا يستطيعون التخلص منه.

منهجية النقل المتطابقة
طريقة نقل القرآن بالأسانيد هي نفسها طريقة نقل السنة، والشروط المعتبرة في تلقي القرآن (اتصال السند، عدالة الناقل، ضبطه) هي ذاتها الشروط في السنة. فمن طعن في السنة لزمه أن يطعن في القرآن لأنه أيضًا منقول بهذه الأسانيد.

التدوين المعاصر للوحي

كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ خلافًا للمزاعم الباطلة، فإن السنة كُتبت في عهد النبي ﷺ بأدلة قاطعة، منها حديث عبد الله بن عمرو: “كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه… فقال ﷺ: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”. وأمر النبي ﷺ بكتابة خطبته لأبي شاه قائلاً: “اكتبوا لأبي شاه”.

النهي المؤقت له حكمة محددة
ان النهي عن الكتابة وتدوين الاحاديث كان محصورًا في فترة زمنية محددة لعدم اختلاط القرآن بالتأويل في بداية الإسلام، ولكن آخرين أُذن لهم بالكتابة من البداية. فقد كانت لعدة صحابة صحف مكتوبة مثل “الصادقة” لعبد الله بن عمرو، وصحيفة علي بن أبي طالب، وصحيفة جابر بن عبد الله.

تأخر ظهور الطعن في الحديث
ان الطعن فى حجية الحديث لم يظهر إلا بعد عقود من وفاة الرسول. ولكن الأدلة القاطعة على صحة السنة ترد على الطاعنين بأن الطعن فيها لم يظهر إلا بعد عقود من وفاة الرسول ﷺ، وتحديداً بعد الفتنة الكبرى ومقتل عثمان ﷺ، عندما ظهرت الفرق المنحرفة كالرافضة والخوارج الذين “راحوا يبحثون عن مستندات من النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم، فعمدوا إلى الوضع في الحديث”.
وهذا التوقيت المتأخر للطعن يؤكد أن السنة النبوية كانت مقبولة ومسلمة بها من الجميع في عهد الصحابة والتابعين، ولم يكن هناك أي شك في حجيتها أو صحتها.
الجهد الأسطوري في تصحيح الأحاديث يدلل على منهجية علمية لا مثيل لها في التاريخ. فقد بذلت الأمة الإسلامية جهداً في تصحيح الأحاديث لا يماثله أي جهد في كل الحضارات، بحيث طور العلماء علم الحديث بفرعيه: علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية. ووضعوا قواعد دقيقة للتثبت من الأحاديث تشمل:

  • علم الرجال: دراسة أحوال كل راوٍ من حيث العدالة والضبط والثقة.
  • ⁠علم العلل: كشف العيوب الخفية في الأحاديث.
  • ⁠علم الجرح والتعديل: تقييم الرواة وتصنيفهم.
  • ⁠المقارنة مع القرآن: عرض الأحاديث على القرآن الكريم.
    هذا الجهد العلمي في تصنيف علم الحديث دفع إلى تسجيل شهادات من المستشرقين المنصفين. فقد اشاد المستشرقون بهذا العمل العلمي، ومن ذلك ما قاله غوستاف ويت: “قد درس رجال الحديث السنة بإتقان”، وأقروا بأن الأمم السابقة لم تهتم بالنقل والرواية بالإسناد والتحري في معرفة الرجال كما فعل المسلمون.
    ولهذا يصح الاستنتاج بأن هناك حقيقة لا تقبل الجدل وهي إن تكريم الله لرسوله ﷺ في القرآن يقتضي حفظ كل ما خرج من فمه من وحي، ونفس الناقلين والمنهجية للقرآن والسنة، والتدوين المعاصر لكليهما، ومن جهة أخرى فان هناك قرينة تفضح الطعن في الحديث لانه تاخر حتى ظهور الفرق الضالة، ومع ذلك فإن الجهد العلمي الإستثنائي الذي بذلته الأمة في تنقية السنة – وفر الادلة القطعية على صحة وحجية علم الحديث وان هذه الأدلة تجعل من المستحيل عقلاً ومنطقاً أن يحفظ الله القرآن ولا يحفظ السنة المبينة له. ومن هنا يتضح أن الذي ينكر السنة اليوم إنما يقع في تناقض منطقي صارخ، ويتجاهل حقائق تاريخية ثابتة، ويرفض منهجية علمية لا نظير لها في تاريخ الحضارات. ومهما يكن التدبير ضد السنة النبوية فان وعد الله قائما وحاضرا بانه انزل الذكر وهو له حافظ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى