بركة العمل العائلي: كيف جعل المؤسسون من الإنفاق سبيلًا للنجاح
سعيد محمد بن زقر
أيها الأبناء من الاجيال القادمة في الأعمال العائلية، عليكم بالاطلاع على تجارب الشركات العائلية والتأمل في سير العصاميين الذين اسسوا هذه الأعمال. وحين تقرؤون تاريخ الآباء المؤسسين للأعمال العائلية في السعودية، ستجدون أن سر تميزهم وسر نجاهم لم يكن في ما جمعوا فقط، بل في ما أنفقوه وأين وضعوه ذلك الانفاق. وهو انفاق يندرج في حكمة قرآنية عظيمة ـ يقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم…” (البقرة: 254). فالإنفاق بهذا المعنى ليس بذل المال فقط، بل بالإضافة إلى انفاق المال ينبغي البذل من النفس والوقت والرأي والخبرة، وعطاءٌ للبيت والمجتمع والوطن. وحديثا تم تطوير هذا الانفاق في نظرية تسمى نظرية المسؤولية الاجتماعية وهي نظرية أخلاقية ، تشير إلى أن أي كيان، سواء كان منظمة أو فرداً، يقع على عاتقه العمل لمصلحة المجتمع ككل. وكنت رويت عن سيدي سعيد رحمه الله ثقافة مدهشة بمعايير وقتنا الحالي فقد كان من لم يستفتح في السوق يرسل له زملاؤه التجار الزبون ويقولون للزبائن امشي إلى محل فلان تجد عنده هذا المنتج. وهذا نوع من الانفاق المذهل.
ولعله يكشف ملمحاً عن سر نجاح المؤسسين.
ويصح الاستنتاج بأن جيل المؤسسين في المملكة بنى أعماله على ثلاث دعائم:
• النية الطيبة والنزاهة
• البذل وإعانة الغير
• البركة في الرزق من الإنفاق الصادق
ولقد رأوا أن ما يضعونه في يد العامل، أو المحتاج، أو الشريك، يعود عليهم أضعافًا من السمعة الطيبة، والمحبة، وثقة السوق. فالمؤسس السخي دائمًا، “ينفق ولا يخشى الفقر”، وظل هذا الإنفاق مصدر أمن داخلي وارتقاء جماعي.
ولن نجازف ان قلنا ان فلسفة “أنفقوا” في الأعمال السعودية شملت جوانب عديدة :
• كانوا ينفقون على التعليم والتطوير والتدريب، معتبرين أن بناء الإنسان أولى من تنمية الأرباح فقط.
• لم يضنوا برواتب عادلة، وإشعار الموظف الذي يعمل معهم بأنه في بيت وعائلة، وهو جزء من اسرة لا في مجرد عامل في وظيفة.
• لم تغب نفقة الصدقات، والعطاء والإنفاق على الفقراء والمحتاجين وابناء السبيل. فالعائلات التجارية الكبرى بالمملكة عُرِفت ببناء المساجد والمدارس والمستشفيات، وتحملها مسؤوليات اجتماعية بكرم وسخاء.
• إذا وقعت أزمة، يبادر كبير العائلة بالتضحية بنفسه قبل الجميع، ويهون على الاخرين وقع الازمة او الفقد لأنه يعلم أن الرزق من الله، وأن الخلف مضمون.
ولهذا فإن النصيحة للاجيال الجديدة:
• لا تجعلوا ذروة النجاح في السجلات والأرقام البنكية، بل في الأثر والذكر الحسن وفي علاقات إنسانية متينة مع العامل والشريك والمجتمع.
• تذكروا: ما أنفقه المؤسس بنية صافية، بقيت بركته تحمي العائلة جيلاً بعد جيل.
• اسألوا أنفسكم مع كل ربح: ماذا أنفقنا من أجود ما عندنا لنفسد المصلحة في سبيل الله وسبيل الناس؟
• اجعلوا للوقف والصدقة والابتكار والرواتب المجزية نصيبًا ثابتًا.
• ازرعوا في أنفسكم ومن بعدكم حبّ الإنفاق، فإنه باب البركة، كما قال تعالى: “وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين” (سبأ: 39).
فالإنفاق بمعناه الواسع هو فلسفة المؤسسين، وينبغي أن يكون عهد الأجيال الواعية والواعدة التي تريد البقاء والبركة معًا.
