ايُّ انسان انت
سعيد محمد بن زقر
يقول الدكتور سعيد محمد الكملي في تأملاته في شرح قوله تعالى: “الشيطان يعدكم الفقر”: البقره ٢٦٨. بان الانسان وهو يقرأ القرآن عليه ان يجيب على تساؤل اساسي وهو اي انسان هو ؟ هل يرى نفسه إنساناً موفقاً في فعل الخيرات ام انه ستطول حسرته يوم الموقف العظيم لأنه سيجد أنه كان قادراً على فعل خير كثير ولم يفعل…!!
واضاف الدكتور الكملي ان الاية الكريمة تتضمن حقيقة مُعاشة وهي ان الشيطان يصوّر للإنسان الفقر، فيلقي في قلبه الخوف منه، ويقول له أن ماله سينفد إذا أنفق، فيمتنع عن الخير والعطاء، وربما امتنع عن اخراج الزكاة، بينما هذه مجرد مخاوف يزرعها الشيطان لصد الإنسان عن الإنفاق وعن سبيل الله.
ولكن ما ينبغي أن يدركه الإنسان بأن هذا الذي أغدق عليه الرزق، أنّه أكرمه لما جعل حاجة الناس إليه ولم يجعل حاجته إلى الناس. وان الرزق ليس مجرد أموال تتدفق إلى يد الإنسان ، ولا صفقات تُبرَم وتُسجَّل في دفاتر الحسابات. الرزق أوسع من ذلك: هو كرامةٌ تُمنَح، ورسالة تُحمَّل، وابتلاءٌ في مظهر العطاء. حين يقدّر الله لك أن تكون يداً مُعطية لا يداً سائلة، فإنه قد خصّك الله بمكانة تُعلي إنسانيتك، وتختبر قلبك قبل أن تختبر محفظتك.
فافهم ايها الانسان بأن الامتنان الحقيقي للرِّزق لا يكتمل بالاستهلاك أو بالادخار وحده، بل يتجلّى حين تتحول النعمة إلى خدمة. وبأن يُصبح وجودك سبباً في أن تُقضى حاجة فقير، أو تُشحذ همة شاب، أو تُعين أسرة على الكفاف؛ هنالك تكون بركة الرزق أعظم من عدده.
وهنا تكمن الحكمة: أن الله، بحكمته، لم يجعل حاجتك في يد الناس، بل جعل حاجات الناس تمر من بين يديك. هو اختبارٌ مزدوج: امتحان في طهارة قصدك، وامتحان في مدى إدراكك أن الأموال التي في خزائنك لم تأتِ بوفرة ذكاء فحسب، بل بفضل إكرامٍ رباني، لو شاء لحوَّلك من المعطي إلى الطالب.
هذه الحقيقة تُعيد تشكيل نظرتنا إلى مفهوم “النجاح”. ليست المكاسب وحدها دليلاً على التمكين. النجاح الحق حين يدرك المرء أن وظيفته في المجتمع ليست امتلاك الثروة وإنما توجيهها، ليس تكديس الموارد وإنما تسخيرها، ليس أن يحتاج الناس لجاهه خوفاً أو طمعاً، بل أن يجدوا عنده صدر الرحمة ويد الكرم.
فمن كُتبت له النعمة الكبيرة، كُتبت عليه المسؤولية الأكبر. ومن أراد أن يحفظ الله عليه بركته، فليؤنس بها غيره. فالأرزاق التي لا يُشارك بها صاحبها غيره، تردّ على حاملها إثقالاً بدل أن تكون نوراً وعزّاً.
افهم إذن: إن احتجاب حاجتك عن الناس ليس مرتباً بشطارتك وحدها، بل هو ستر الله. وإن تقاطر حاجاتهم عليك ليس صدفة عابرة، بل هو تكريم لك لتكون واسطة رحمة. فالنعمة في أصلها أمانة، والأمانة إنما تُحفظ بالوفاء، والوفاء ليس إلا بالعطاء.
في هذا السياق يقول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالىٰ : (ﻟﻢ ﻳﺪﺭﻙ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﻣﻦ ﺃﺩﺭﻙ ﺑﻜﺜﺮﺓ ﺻﻴﺎﻡ ﻭﻻ ﺻﻼﺓ ؛ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺃﺩﺭﻙ : ﺑﺴﺨـﺎء اﻷﻧﻔـﺲ، ﻭﺳﻼﻣـﺔ الصدر، ﻭالنصح للأمة.) ويقول السلف “أحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى” وهذا القول المأثور يقتضي ، بأنك إذا أحسنت في الفترة المتبقية من حياتك، فإن الله يغفر لك ما فات من ذنوبك. باجابة سؤال أي انسان انت؟ ومقتضى الاجابة الحث على التوبة والإحسان إلى الآخرين والإنفاق من ما نحب . قال أبو السعود: على أن المراد (بالإنفاق ) مطلق البذل، وفيه من الإيذان بعزة منال البر ما لا يخفى.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سُلَامَى من الناس عليه صدقةٌ، كل يومٍ تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقةٌ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقةٌ، وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، وتميط الأذى عن الطريق صدقةٌ)، رواه البخاري ومسلم. ومن الانفاق عدم الخوف من الفقر لان الأرزاق بيد الله ومن الانفاق ان نعمل العمل الصالح في كل وقت، وأن ندرك دلالات قوله تعالى “الشيطان يعدكم الفقر” لنسعى جاهدين لنكون موفقين في عمل الخير.
