الموية تكذب الغطاس – جريدة الوطن
جريدة الوطن – 16:19 الأربعاء 21 يناير 2026 – 02 شعبان 1447 هـ
في السعودية، توفّر المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو 60% من وظائف القطاع الخاص بحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT)، لكنها لا تسهم إلا بنحو 20–22% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق الحسابات القومية حسب حجم المنشأة.
هذه النسبة لا تُعد ضعيفة بذاتها، لكنها تصبح دالّة حين تُقاس بكثافة التوظيف نفسها: قطاع يستوعب أكثر من نصف العمالة دون أن ينتج ربع الناتج، يعكس فجوة إنتاجية وانتقالية لا يفسرها النجاح العددي وحده، ومع وجود أكثر من 1.3 مليون منشأة وهيمنة فئة المتناهية الصغر والصغيرة مقابل شريحة متوسطة محدودة (GASTAT، وزارة التجارة، منشآت)، تتضح مفارقة: دخول كثيف دون تراكم إنتاجي مماثل.
ويتعزز هذا الاستنتاج عند النظر إلى المسار الزمني داخليًا، فرغم تضاعف عدد المنشآت خلال السنوات الأخيرة، لم ترتفع مساهمتها في الناتج بوتيرة مماثلة، ما يشير إلى توسّع عددي غير مصحوب بتحول حجمي، هذا معيار داخلي لا يعتمد على المقارنة الخارجية، ويكفي وحده لإظهار أن المشكلة ليست في الدخول إلى السوق، بل فيما يحدث بعده.
وتتأكد الصورة عند النظر إلى التمويل بوصفه نتيجة لا سببًا، حصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الائتمان المصرفي في السعودية تدور حول 10–12% وفق البنك المركزي السعودي «ساما»، هذا ليس موقفًا من المصارف، بل حكم مخاطر على ما يصل إليها من منشآت غير مهيأة مؤسسيًا للمرحلة التالية.
وفي المقابل، في اقتصادات خليجية مشابهة للمملكة، تظهر مؤشرات مختلفة، النشرات الإحصائية للبنوك المركزية في الإمارات والبحرين وقطر تُظهر حصة تمويل أعلى للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، كما تُظهر تقارير هيئات الدعم الخليجية أن الدعم هناك أكثر انتقائية ومرحلية:
• صندوق خليفة لتطوير المشروعات «الإمارات»، يشترط الصرف على مراحل مرتبطة بخطط نمو وتقارير مالية ومعالم أداء.
• تمكين «البحرين»، يربط الدعم بتحسين الإنتاجية والحوكمة والتوظيف النوعي، لا بالتأسيس فقط.
• بنك قطر للتنمية، يقدّم برامج نمو وتوسّعًا بصرف مرحلي، مشروطًا بخطط أعمال وتقارير متابعة.
• الصندوق الوطني الكويتي، يشترط حوكمة ودراسات جدوى ومتابعة مرحلية قبل وبعد الصرف.
ولا يعني ذلك أن الانتقائية في الدعم هي العامل الوحيد، لكنها العامل الوحيد الذي يسبق جميع العوامل الأخرى، ويمكن التحكم به تصميميًا.
ويبقى ما ينقص هذا التحليل رقم الانتقال من صغير إلى متوسط، ولم أجد له قياسًا رسميًا منشورًا، غير أن غياب هذا القياس بحد ذاته دالّ؛ فما لا يُقاس لا يُدار، وسياسات تركز على الدخول أكثر من المسار لا تُنتج مؤشرات انتقال.
السؤال الذي يستحق النقاش كيف نزيد عدد المنشآت، بل كيف نعيد تصميم الدعم ليُقاس بالانتقال لا بالتأسيس، حتى تتحول كثافة التوظيف إلى كثافة إنتاج، وتصبح منشآتنا المتناهية الصغر والصغيرة أكثر نجاحًا وأكثر جاذبية للمصارف والمستثمرين للتمويل.
