الغرف التجارية السعودية: من المباني إلى المنصات الذكية
بقلم سعيد محمد عبيد بن زقر – ٦ نوفمبر ٢٠٢٥ ✍️
في زمنٍ تُستخرج فيه الرخصة التجارية في دقيقة عبر تطبيق، ما الحاجة إلى مبنى ينتظر فيه المستثمر ساعة؟
هذا السؤال البسيط يلخص التحدي أمام الغرف التجارية السعودية اليوم: كيف تنتقل من “مقرّ إداري” إلى “منصة اقتصادية وطنية” تخدم القطاع الخاص بكفاءة وتواكب طموحات رؤية 2030.
لقد أدت الغرف التجارية دورًا تاريخيًا في بناء هوية التجارة السعودية لعقود، لكنها اليوم مطالبة بإعادة تعريف نفسها في عصر تحكمه البيانات والذكاء الاصطناعي لا الاجتماعات واللجان.
التحول المطلوب ليس تجميلًا إداريًا، بل نقلة مؤسسية تجعل الغرف مراكز تحليل ومعرفة، تُصدر مؤشرات أسبوعية وتربط المستثمرين بالفرص محليًا ودوليًا عبر منصة موحدة.
بحسب دراسات التحول الوطني، تتجاوز النفقات التشغيلية للغرف التجارية ٢ مليار ريال سنويًا، يُنفق أكثر من نصفها على مبانٍ وإدارات متكررة.
دمج الغرف في منصة وطنية واحدة يمكن أن يخفض هذه التكاليف بنسبة ٦٥٪ خلال ثلاث سنوات، أي ما يعادل توفير ١.٣ مليار ريال سنويًا.
هذه الوفورات يمكن توجيهها إلى تطوير الخدمات الرقمية، ودعم المنشآت الصغيرة، وتأهيل الموظفين لأدوار رقمية جديدة.
وكل ريال يُعاد من المصروف الإداري إلى الخدمات المعرفية يولد أثرًا مضاعفًا يقارب ٣ ريالات في الناتج المحلي — أي ما يعادل ٤ مليارات ريال سنويًا من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
العدالة الرقمية والتأثير الاجتماعي
التحول إلى منصة موحدة لا يخدم الاقتصاد فحسب، بل يحقق عدالة في الوصول إلى الفرص.
فرائد الأعمال في أبها أو القريات سيحصل على نفس الخدمة التي يتلقاها المستثمر في الرياض أو جدة، دون وسطاء أو زيارات ميدانية.
إنها نقلة من خدمة النخبة إلى خدمة الوطن بأكمله.
من اقتصاد الخدمة إلى اقتصاد المعرفة
وحين تتوحد بيانات الغرف في منصة واحدة، ستُصبح المملكة أول دولة عربية تمتلك خريطة لحظية للقطاع الخاص: من الاستثمار إلى سلوك السوق.
هذه الخطوة لا تعني كفاءة فحسب، بل سيادة رقمية تمنح صانع القرار استقلالًا اقتصاديًا مبنيًا على البيانات، وتمهّد لتحول المملكة إلى مركز إقليمي للاقتصاد المعرفي.
التجارب العالمية
في سنغافورة، دمجت غرفة التجارة خدماتها في منصة “SmartBiz Portal” فخفضت النفقات الإدارية بنسبة 72٪ وزادت العضويات الرقمية 40٪ في عام واحد.
وفي إستونيا، تعمل الغرف بلا مبانٍ منذ 2018 ضمن نظام رقمي متكامل جعلها نموذجًا عالميًا في الشفافية وسرعة الإجراءات.
هذه التجارب تؤكد أن التحول من مؤسسة إلى منصة ليس طموحًا، بل خيارًا لا بديل له.
التحديات والفرصة
لكن ماذا لو لم يحدث هذا التحول؟
هل يمكن أن تبقى الغرف التجارية مؤثرة في اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة؟
التحول بهذا الحجم لن يخلو من تحديات: حماية البيانات، وتأهيل الكوادر، وتغيير الثقافة الإدارية.
إلا أن هذه التحديات تنتمي إلى المستقبل، وليست أسبابًا للبقاء في الماضي.
الغرف التي بنت الاقتصاد السعودي تستحق أن تولد من جديد في شكلها الرقمي، وأن تُقاس قيمتها بمدى تأثيرها في القرار الاقتصادي لا بمساحة مبناها.
ختام
المباني تُشيخ، لكن المنصات تتجدد.
والغرفة التي لا تتحول إلى منصة، ستتحول إلى ذاكرة.
ففي الاقتصاد الجديد، المكانة لا تُقاس بما نملكه من مكاتب، بل بما نُنتجه من معرفة، وبقدرتنا على تحويل الفكرة إلى فرصة في لحظة واحدة.
