السياسة المؤجلة: كيف يعطّل غياب منظومة الجودة الموحدة المضاعف الاقتصادي ويُبقي الصناعة رهينة للإنفاق الحكومي؟
سعيد محمد عبيد بن زقر — ٤ ديسمبر ٢٠٢٥
عند تحليل السياسات الصناعية التي لم تُفعَّل بعد في السعودية — خصوصًا تلك ذات الأثر المباشر على المضاعف الاقتصادي — تبرز منظومة الجودة الموحدة كإحدى أكثر الإصلاحات قدرة على تغيير مسار الصناعة. فهذه المنظومة ليست أداة تنظيمية ثانوية، بل هيكلة مؤسسية تُحوّل الاستثمار الصناعي من إنفاق منفصل إلى نمو اقتصادي متسلسل.
اليوم تتوزع الأدوار بين جهات متعددة: مواصفات تُصاغ في جهة، فحص عند المنافذ في جهة أخرى، واعتمادات تُمنح للمصانع من جهات مختلفة. هذا التشتت يؤدي إلى اختلاف نماذج الفحص والرقابة بين ما يدخل من المنافذ وما يُنتج محليًا، ويخلق فجوة واضحة في تكاليف الامتثال. وتشير تقديرات صناعية موثقة في منتديات القطاعات التحويلية خلال 2024–2025 إلى أن تكلفة الامتثال على المصنع المحلي أعلى بنسبة 30–45٪ مقارنة بالمنتجات المستوردة الأقل التزامًا بالمتطلبات.
هذا الخلل يعطّل عمل المضاعف الاقتصادي. فحتى يولّد الاستثمار الصناعي أثرًا متسلسلًا، يجب أن يتحقق ثلاثة شروط أساسية:
1. ارتفاع الطلب على الإنتاج المحلي،
2. اتساع سلاسل الإمداد الوطنية لخدمة هذا الطلب،
3. استقرار قدرة المصانع على التخطيط بعيدًا عن دورات الإنفاق الحكومي.
وهذه الشروط الثلاثة هي بالضبط ما تعيقه غياب منظومة جودة موحدة وملزمة. فالمنتجات منخفضة المتطلبات تستحوذ على الطلب السعري، وسلاسل الإمداد لا تنمو لعدم وجود توسع مستقر في الإنتاج المحلي، والمصانع تبقى مرتبطة بميزانيات الدولة لأنها لا تجد بيئة تنافسية عادلة لبناء نمو ذاتي.
أما أثر هذا الخلل على الميزان التجاري فيظهر في تقديرات صناعية متحفظة تشير إلى تسرب يتراوح بين 15–20 مليار ريال سنويًا في واردات يمكن إحلالها محليًا دون زيادة في التكلفة أو تراجع في المواصفات. وهذا الرقم يغطي السلع الخفيفة فقط؛ أما السلع الوسيطة — الأعلى قيمة في سلسلة الإنتاج — فقد تضاعف هذا الأثر بسهولة.
ويبقى السؤال: لماذا لم تُطبَّق هذه السياسة حتى الآن؟
تعود الأسباب إلى ثلاثة عوامل رئيسية: تباين اختصاصات الجهات التنظيمية، واختلاف مصالح بعض التجار الذين يستفيدون من الواردات منخفضة المتطلبات، واعتماد جزء من الصناعة على دورة الإنفاق الحكومي بما يقلل الضغط المؤسسي لتطبيق إصلاحات ترفع التكلفة على المستورد.
اليوم — وفي ظل إعادة هيكلة المشاريع الكبرى وتحول الدولة نحو رفع إنتاجية الإنفاق — يصبح اعتماد منظومة جودة موحدة ضرورة وليست خيارًا. فتأجيل هذا الإصلاح يعني استمرار تبعية الصناعة للإنفاق الحكومي خلال سنوات حاسمة تحتاج فيها المملكة إلى قطاع صناعي يقود النمو غير النفطي بدل أن يستهلكه.
