السلاح الذي لا يُستخدم: لماذا تكتشف تهديدات السندات ضعف الطرفين لا قوّتهما؟
2025/12/1
سعيد محمد بن زقر – كاتب في الشأن الاقتصادي
التصحيح الذي عصف بمنصة X حول نية أوروبا بيع سنداتها الأمريكية ردًّا على خطة ترامب لاستدراج الأصول الروسية، كشف من جديد أن ما نشهده ليس “سلاحًا” بقدر ما هو خطاب. ففي الواقع، واشنطن وبروكسل تتبادلان تهديدات يدرك كلٌّ منهما مسبقًا أنه لا يستطيع تنفيذها؛ لأنها لا تهدف إلى إطلاق النار، بل إلى إعادة موازين القوة داخل الغرب.
خطة ترامب التي تقضي بتحويل 210 مليارات يورو من الأصول الروسية المجمّدة إلى صندوق أمريكي، تصطدم بواقع أن أوروبا ليست مصرّة على محاولة التوصّل إلى الإعمار. بل إعلان ترامب عن “استعادة” تلك الأموال قبل وصوله للبيت الأبيض يقابلها عجز هيكلي أوروبي: حكومات مثقلة بديون قياسية، تضخم مرتفع، وانقسام داخلي يزداد حدّة.
يُمسك بخطاب “السيادة الأوروبية” البنك المركزي الأوروبي، الجهة الوحيدة القادرة على امتصاص الصدمة. لكنه يصطدم بشيئين:
1. التعويض السياسي لسنوات ألمانية ـ إيطالية ـ فرنسية متناقضة.
2. آخر أوراق القوة الأوروبية نفسها التي ستتعطل إن سُجّلت على يدها قبل أن تصل إلى برلين أو لندن.
يضاف إلى ذلك الانقسام الأوروبي الداخلي. فرنسا تتمسّك بخطاب “الاستقلالية الأوروبية”، ألمانيا محكومة بحسابات صناعة وماكينة، وإيطاليا وبولندا تريدان واشنطن الضامن الوحيد. وبحكم قيود القانون، لا يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على إصدار بيانات موحّدة بشكل عاجل في لحظة قرار مالي حرج.
أما الخليج، والسعودية خصوصًا، فتلك المساحات من التوتر مؤثرة مباشرةً على الدولار، وارتباطه بسيولة الأسواق، وتغيير شهية المستثمرين. وهي عناصر تمسّ سوق الطاقة والاستثمار في المنطقة.
أمّا التهديد الأوروبي ببيع السندات الأمريكية، فهو بدوره بلا ذخيرة. السندات الأوروبية – بين 1 و1.5 تريليون دولار – هي ضمانة استقرار النظام المالي الأوروبي، وأداة ضغط في سوق إعادة الشراء (repo market)، وركن ميزانيات البنوك وصناديق التقاعد. السندات الأمريكية وحدها مكشوفة بنحو 250 مليار دولار فقط.
أي بيع واسع سيضرب أوروبا قبل واشنطن عبر:
- خفض قيمة السندات النقية في محافظها.
- اهتزاز اليورو.
- ارتفاع تكلفة الاقتراض.
- وتجمّد قنوات التمويل بين البنوك.
أي سلاح لا يُستخدم يفقد قيمته، لكن الأسوأ أن يكشف حقيقة ضعف الطرفين في محافظهما. السلاح الذي لا يُستخدم يكشف هشاشة الطرفين، لا قوة أحدهما. كلاهما يتصرّف من موقع ضعف أكثر مما هو من موقع قوة
