السعودية ليست متأخرة… بل أمام نافذة تاريخية لقيادة المدفوعات إقليمياً ودولياً

بقلم: سعيد محمد عبيد بن زقر – 16 نوفمبر 2025

أكتب هذا المقال لا لأن منظومة المدفوعات السعودية متأخرة — فهي من الأكثر تقدماً عالمياً — بل لأن قوتها الحالية تفتح أمام المملكة نافذة قيادة نادرة في التاريخ المالي الإقليمي والدولي.

في عالم المدفوعات، الدول لا تقود لأنها “تشغّل جيداً”،
بل لأنها تصنع المعيار الذي يعمل الآخرون وفقه.
واليوم، تمتلك السعودية كل عناصر القوة لبناء معيار تشغيل سعودي —
SUPR: Saudi Unified Payment Rail —
قبل أن تُصبح المعايير الإقليمية والدولية جاهزة ويُعاد توزيع الأدوار.

الفرصة موجودة اليوم… لكنها لن تبقى طويلة.
والسؤال: لماذا الآن؟

أولاً: السعودية ليست مثل الدول التي وحدت أنظمتها — بل أقوى منها عند لحظة اتخاذ القرار

الدول الكبرى اتجهت لتوحيد طبقة التشغيل (Rail Layer) تحت ضغط الضرورة:

1) أوروبا — SEPA

وحّدت لأنها دفعت 120 مليار يورو سنوياً نتيجة التشتت.
السعودية لا تعاني هذا — وتستطيع منع حدوثه قبل أن يكبر.

2) الولايات المتحدة وكندا — FedNow / RTR

اضطرتا لإعادة بناء أنظمة عمرها 40 سنة.
السعودية بلا Legacy Systems — وهنا تأتي ميزة القفز للأمام.

3) الهند — UPI

وحّدت لأن التعدد عطّل الابتكار.
السعودية لا تواجه انسداداً — بل تستطيع إطلاق معيار قيادي مباشرة.

4) سنغافورة والإمارات — FAST / AANI

وحّدت لتقود الربط الإقليمي.
السعودية أكبر سوقاً وأقوى اقتصاداً — وبالتالي الأجدر بالقيادة.

5) البرازيل — PIX

وحّدت بسبب ضعف POS وQR.
السعودية عكس ذلك — بنية قوية جداً لا تحتاج التصحيح بل “الترقية”.

الدول الأخرى وحّدت “لتُصلح”…
السعودية تستطيع أن توحّد “لتقود”.

وهذه ميزة نادراً ما تُتاح لدولة في منظومة مالية.

ثانياً: أين تكمن الفرصة السعودية؟

السعودية اليوم تمتلك:
• انتشار هائل لنقاط البيع
• مدى وسريع وسداد تعمل بكفاءة عالمية
• بنوك حديثة بدون إرث قديم
• قاعدة مستخدمين ضخمة
• FinTechs ناضجة
• نمو سنوي متسارع (قد يصل إلى 25–30 مليار عملية بحلول 2030)

لكن رغم هذا النجاح التشغيلي، توجد اختلافات تشغيلية بنيوية “تحت السطح” بين مقدمي الخدمة:

مثال سعودي واضح:

نفس العملية… نفس العميل… نفس البطاقة…
لكن:
• منصة A تقبل
• منصة B ترفض
• منصة C تطلب تحققاً إضافياً

هذا ليس اختلاف خدمة — بل اختلاف منطق تشغيل (scoring، retry، reconciliation).
وهذه الاختلافات الصغيرة ستصبح تكاليف كبيرة مع تضاعف حجم السوق.

لماذا هذه نافذة “قصيرة”؟

لأن السنوات القادمة ستشهد:
• ربطاً خليجياً إلزامياً
• معايير عربية مشتركة
• Cross-border APIs تربط الشرق الأوسط بالهند وآسيا
• سباقاً إقليمياً على “من يحدد Rail Layer”
• صعود AANI وUPI كمعايير إقليمية

إذا لم تصنع السعودية معيارها الآن،
سيُفرض عليها معيار خارجي لاحقاً —
هندي، إماراتي، أوروبي، أو آسيوي.

من يملك Rail موحد… يملك القدرة على وضع قواعد اللعبة.

ما هو SUPR؟ (تعريف مبسّط)

SUPR ليس نظام دفع جديداً، ولا بديلاً عن مدى أو سداد أو سريع.

بل هو:

طريقة تشغيل وطنية موحدة تعمل خلف الأنظمة الحالية،
بحيث يصبح الدخول إلى السوق مرة واحدة،
وبطريقة مخاطر وتسوية ونزاعات موحدة وطنياً.

SUPR يوحّد “كيف تعمل الأنظمة”
ولا يمسّ “الأنظمة نفسها”.

كيف تبدو 2030 لو تبنّت السعودية SUPR؟

اقتصادياً
• خفض التكلفة التشغيلية والامتثال 20–35%
• تسريع الابتكار (أشبه بطفرة UPI في الهند)
• نمو التجارة الإلكترونية 40–50%
• رفع كفاءة البنوك وتقليل الازدواجية
• إمكانية تصدير “Rail سعودي” للدول المجاورة

اجتماعياً
• مدفوعات أكثر سهولة وتناسقاً
• تمكين رواد الأعمال بسرعة دخول للسوق
• تكامل أعمق مع الخدمات الحكومية والمدن الذكية
• حماية أقوى للمستهلك

سياسياً (Scope of Influence)
• المملكة تقود المعايير الخليجية بدلاً من التأثر بها
• بناء نفوذ مالي–تقني يشبه نفوذ UPI في آسيا
• الرياض تتحول إلى مركز المدفوعات العربي والإفريقي
• تعزيز القوة الناعمة والاقتصادية للمملكة

الخلاصة

السعودية ليست متأخرة —
هي في الواقع متقدمة لدرجة أنها أمام فرصة قيادة لا تتكرر.

التوحيد ليس علاجاً لنقص،
بل استثمار في قوة حقيقية موجودة اليوم.

والسؤال الذي سيحدد دور المملكة حتى 2030 وما بعدها هو:

هل نريد أن نكون “مستخدمين” لمعايير الآخرين…
أم “صانعين” لمعيار سعودي إقليمي ودولي؟

SUPR هو الخطوة التي تنتقل بالسعودية من “نجاح تشغيلي”
إلى قيادة معايير المدفوعات الإقليمية والدولية.


سعيد محمد عبيد بن زقر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى