الريبو الأمريكي يدق ناقوس التحذير
سعيد محمد عبيد بن زقر – 3 ديسمبر 2025
يقول العرب قديمًا: «البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير». وهذا المثل يشير إلى أن العلامات الصغيرة تكشف ما هو أكبر منها، وهو أكبر ما ينطبق اليوم على ما يحدث في أسواق المال العالمية. ففي النظام المالي، لا يوجد مؤشر أسرع في كشف الضغوط من سوق الريبو الأمريكي، لأنه القناة التي تظهر فيها اختناقات السيولة قبل انتقالها إلى السندات، ثم الأسهم، ثم الاقتصاد الحقيقي.
في الأول من ديسمبر 2025، ضَخَّ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي 13.5 مليار دولار في عملية ريبو ليلية؛ في ثاني أكبر تدخل منذ جائحة كورونا، وبحجم يفوق ذروة عملية مماثلة عام 2000 خلال أزمة الدوت كوم. دلالة الرقم لا تأتي من ضخامته فقط، بل من مقارنته بالمتوسط الطبيعي لعمليات 2023–2024 الذي تراوح بين مليار وأربعة مليارات يوميًا. هذا الفارق ليس ضخماً بذاته، لكنه علامة مبكرة على تحوّل مالي أعمق.
هذه التطورات مجتمعة تُفسِّر القفزة المفاجئة في الطلب على التمويل الليلي، وقد قسمت المحللين في تفسيرهم إلى اتجاهين: فهناك من يرى أن الفيدرالي يتدخل للحفاظ على استقرار خطوات التحول القصيرة الأجل، وأن ما يحدث هو توازن طبيعي في سوق أصبح أكثر تعقيدًا وأكثر تأثرًا بتقلبات الاحتياطيات. وهناك من يفسرها بأنها تذكير مبكر بما حدث في سبتمبر 2019، حين تحولت الضغوط الصغيرة إلى سلسلة من الاختلالات الواسعة – وهو ما قد يعني دخول النظام في مرحلة ضيق سيولة ممتدة.
وتزداد أهمية هذا التطور بالنسبة للسعودية ودول الخليج، لأن المنطقة ضمن دائرة الدولار؛ فأي ضيق في تمويله ينعكس مباشرة على السايبور، وكلفة الاقتراض، وإصدار السندات، وحركة رؤوس الأموال. ولذلك فإن ضخَّ 13.5 مليار دولار في ليلة واحدة ليس ضخماً من حيث الحجم، لكنه إشارة إلى تراجع راحة الفيدرالي في مستويات السيولة المتاحة.
أما التطور الأهم فهو في بنية الاحتياطيات لدى البنوك، إذ تراجعت الاحتياطيات الفائضة إلى مستويات تتراوح بين 2.8 و4.2 تريليون دولار وفق بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهي مستويات تبدو كبيرة لكنها غير كافية للاقتصاد بحجمه الحالي وسوق تمويله السريع الذي أصبح اليوم يستهلك ضعف حجمه عام 2000. وتأتي هذه الدورة التطوعية التنشيطية بعد تقلص عمليات الـ RRP التشغيلية نحو 2 تريليون دولار، إلى مستويات هامشية لا تذكر، مما جعل المنطقة الاحتياطية قابلة لتقلبات تمسّ النظام المالي.
كما أن زيادة الاقتراض الحكومي الأمريكي مع اتساع العجز وارتفاع سحوبات الخزانة الأمريكية في حساب الخزانة (TGA) تزامنت مع تسارع الإصدارات في سوق السندات، الأمر الذي أدى إلى سحب السيولة من النظام المالي ورفع الطلب على التمويل قصير الأجل لتلبية متطلبات الهامش.
وإذا تكررت هذه الإشارات في الأسابيع المقبلة، فإن الأسواق العالمية قد تدخل دورة سيولة جديدة لا بد من الاستعداد لها.
