الذكاء الاصطناعي وإحلال الوظائف بلغة الأرقام
سعيد محمد بن زقر
يشكل التطور السريع في مجال الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) تحوّلاً مَرِناً في طبيعة سوق العمل، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على التوقعات فحسب، بل بدأت تظهر أرقام فعليّة تُشير إلى مدى التأثير الفعلي للتقنيات الذكية على الوظائف. فيما يلي بعضاً من الأرقام، التي تلقى الضوء على واقع التأثير بدلاً من التكهّنات المستقبلية.
فبحسب دراسة صادرة عن Pew Research Center، في عام 2022 كان نحو 19% من العمال الأميركيين يعملون في وظائف (الأكثر تعرضاً)للذكاء الاصطناعي وتأثيراته، أي الوظائف التي قد تتم أو تُساعدها أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل كبير. 
كما أوضحت الدراسة أن نحو 23% من العاملين لديهم وظائف تعتبر (الأقل تعرضا) . 
من جهة أخرى، تقدّم ورقة بحثية من معهد Massachusetts Institute of Technology (MIT) للتأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي، أن ما يُقدّر بـ 1.6 إلى 3.2 مليون عامل قد يفقدون وظائفهم في الولايات المتحدة نتيجة الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أي ما يعادل حوالي 1-2% من إجمالي التوظيف الأميركي استناداً إلى أرقام مايو 2022. 
أما على المستوى الدولي، فقد أشار تقرير منظمة العمل الدولية International Labour Organization (ILO) إلى أن نحو 25% من الوظائف العالمية تقع ضمن فئات (التعرّض المحتمل) لتقنيات الذكاء الاصطناعي – بارتفاع عند نحو 34% في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع. 
ومن منظور أكثر تحديداً، قام تحليل أكاديمي بتقدير أن نحو 80% من القوى العاملة الأميركية لديها مهام قد تتأثر بـ LLMs مثل GPT‑4، فيما حوالي 19% من العمال قد تواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي تغيّراً في ما لا يقل عن نصف مهامهم الحياتية الوظيفية. 
هذه الأرقام تُظهر أن التغيير لا يزال محدود النطاق من حيث الوظائف التي أُلغيت بالكامل، لكنه واسع النطاق من حيث الوظائف التي (تتغير مهامها) . بمعنى آخر، ليس كل وظيفة مهددة بإلغاء كامل، لكن جزءاً كبيراً منها معرض لتغيّر جوهري في طريقة العمل.
إن هذا الواقع يضع أمامنا عدداً من التحديات والإشكاليات:
• كيف يمكن للأنظمة التعليمية والتدريب المهني أن تُعِدّ الكوادر للتعامل مع هذا التغيير؟
• كيف يمكن حماية القوى العاملة التي تعمل في وظائف (معرضة بشدة) إلى تغيّر مهامها؟
• كيف نضمن ألا يتسبّب هذا التغيّر في تفاقم الفجوة بين العمال ذوي المهارات الرقمية والعمال الذين يفتقرون إليها؟
• وما هي السياسات التي ينبغي أن تتبنّاها الحكومات والشركات لضمان الانتقال العادل؟
ويصح الاستنتاج بأن المسألة تبدو أقل عن (إحلالٍ شامل وفوري) للوظائف، وأكثر عن إعادة تشكيل طبيعة العمل والمهام انخفاضاً أو ارتفاعاً في الطلب. ومع ظهور أرقام واقعية تُكشف جانباً من هذا التغيّر، يصبح من الضروري أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس كمجرّد تهديد، بل كمحرّك للتغيير ينبغي أن نتعامل معه بإدراك وفطنة.
