الخلط والخطل ما بين التمويل والإنتاجية

سعيد محمد عبيد بن زقر — ٤ ديسمبر ٢٠٢٥

إن التمييز بين تمويل التقنية وإنتاجيتها لم يعد نقاشًا نظريًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لفهم حدود السياسة النقدية اليوم. فالمبالغة في تفسير أثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد، أو البناء عليه في تقييم أداء الفيدرالي، تقتضي وقفة متأنّية أمام البيانات، ولا سيما ما ورد في تقرير مكينزي لعام 2025. ومع كامل التقدير لمعالي العريان، إلا أن قراءة الأرقام تكشف أن ما يشهده العالم حاليًا هو طفرة في التمويل لا طفرة في الإنتاجية، وأن المسافة بينهما أكبر بكثير مما يُطرح في التحليلات المتفائلة.

فالولايات المتحدة استثمرت أكثر من 109 مليارات دولار في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2024، وتجاوز التمويل العالمي للنماذج الحديثة 116 مليار دولار في النصف الأول من 2025. هذا زخم مالي هائل، لكنه لا يشكّل تحولًا إنتاجيًا قائمًا بذاته؛ إذ تعتمد الإنتاجية على تغيير هيكلي عميق في عمليات العمل وسلاسل القيمة، وليس على ضخّ الأموال وحده. وهذا ما تؤكده مكينزي بدقة: 88٪ من الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي، لكن أقل من ثلثها وسّعته على مستوى المؤسسة، فيما رصدت 39٪ فقط أثرًا ماليًا محدودًا، ولا تتجاوز الشركات التي حققت قيمة تشغيلية حقيقية 6٪. هذه الفجوة بين الاستخدام الواسع والعائد المحدود توضح — بلغة السياسات النقدية — غياب أي مؤشر إنتاجي يمكن الاعتماد عليه في بناء توجيه مستقبلي أو قراءة دورة اقتصادية جديدة.

أما على مستوى الإنتاجية، فلا يزال إسهام الذكاء الاصطناعي محصورًا بين 0.3 و1 نقطة مئوية سنويًا، وهي زيادة مهمة لكنها غير قادرة رياضيًا على دفع اقتصاد بحجم الولايات المتحدة أو تعويض تباطؤٍ متوقّع، خاصة مع تقديرات OECD بنمو 1.6٪ فقط للاقتصادات المتقدمة في 2025. وهذا يعني أن النقاش لا يدور حول تجاهل الفيدرالي لاندفاعة إنتاجية، بل حول غياب هذه الاندفاعة أساسًا.

ومن هنا، فإن القراءة التي قدّمها معالي العريان لدور الفيدرالي تُلقي على المؤسسة مسؤوليات تتجاوز نطاق أدواتها؛ فالفيدرالي، المكلّف بضبط الأسعار واستقرار سوق العمل، لا يمكنه بناء توجيه مستقبلي على إنتاجية لم تتشكل بعد. كما أن ديناميكيات النمو الراهنة — من الإنفاق الحكومي والمرونة الهيكلية للاقتصاد إلى استثمارات الطاقة والتقنية — تُدار بأدوات مالية وتشريعية، لا نقدية.

وبذلك، يصبح واضحًا أن الإنتاجية — لا التمويل — هي الحكم النهائي على صحة أو خطأ قرارات الفيدرالي. ومع غياب هذه الإنتاجية حتى الآن، يظل الذكاء الاصطناعي موجة واعدة، لكنه ليس قوة ماكرو–اقتصادية يمكن الاعتماد عليها في تقييم السياسة النقدية أو توقعاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى