الحوكمة في الأعمال العائلية: درع الاستدامة بين الماضي والحاضر
ارث العائلة لا يُصان بالذكريات وحدها بل بالأنظمة التي تحميه. بداية الحكاية:
الحوكمة في الأعمال العائلية: درع الاستدامة بين الماضي والمستقبل
إرث العائلة لا يُصان بالذكريات وحدها، بل بالأنظمة التي تحميه.
بداية الحكاية
بدأ الأمر بسؤال من شاب من الجيل القادم في عمل عائلي يمر بالتعثر ويشهد خلافات بين (الخيلان) والعمات وبقية أفراد الأسرة، حيث غابت بينهم الرؤية الموحدة لإدارة العمل. كان يتابع مقالاتي، وجاء يسألني:
“أسمع كثيرًا عن الحوكمة، لكن لا أرى فائدتها الحقيقية، فما الجدوى منها؟”
ابتسمت، وتذكرت أنني وأنا في مثل عمره وجّهت نفس السؤال لعمي وهيب – رحمه الله – وكنت أظن أن العلاقات الطيبة تكفي لإدارة العمل دون حاجة لكتابة أنظمة أو مواثيق.لم أكن قد مررت بتجارب الأزمات التي تكشف أهميتها.
رحلة غيرت الفكر
عمي وهيب، رحمه الله ومعه أخي وأبناء العم، أخذنا في جولات لحضور لقاءات نظمتها جمعيات متخصصة في الحوكمة والأعمال العائلية، في مدن مثل لوزان، كوبنهاغن، ودبي.
هناك تعرفنا على عائلات من الخليج، عمان، البحرين، اليابان، كوريا، أوروبا، أفريقيا، وأمريكا شمالها وجنوبها.
تحدثنا مع أحد أفراد عائلة روكفلر الأمريكية، المالكة لشركة “تكساسكو” النفطية، ومع عائلات تمتلك علامات تجارية عمرها أكثر من 15 جيلًا.
كان السر المشترك في استدامة تلك الإمبراطوريات العائلية هو: تبنّي الحوكمة مبكرًا، من خلال ميثاق أسرة، مجلس عائلة، مجلس إدارة يضم أعضاء مستقلين، ورئيس مجلس إدارة حكيم من كبار السن يركز على القيم والخلافة القيادية العائلية، ويترك التنفيذ للمديرين المحترفين.
الحوكمة ليست نظرية جامدة
حين قلت ذلك للشاب، أجاب:
“لكن هذا يبدو كلام كتب ومستشارين، أين فائدته الحقيقية في حياتنا؟”
فرويت له ما علّمني إياه المدير المالي الراحل في شركة بن زقر، الأستاذ عباس مرجان – رحمه الله – حين قال:
“الأنظمة لا تمنع الحرامي”، فالحرامي سيجد طريقه مهما كان. لكنها تردع الإنسان الشريف الذي قد تضعفه أزمة عابرة عن ارتكاب خطأ.”
وهنا أوضحت للشاب أن الحوكمة ليست سيفًا على الناس، بل هي درع وقائي يحمي أصحاب النوايا الطيبة حين تشتد الضغوط.
ثلاثة أطراف لا رابع لها
الحوكمة تمس ثلاثة شركاء أساسيين في أي عمل:
1. المساهمون أو ملاك الحصص
2. الموظفون
3. الزبائن والموردون
الخلافات بين الناس أمر طبيعي، لكن وجود الحوكمة يجعلها تُدار بحكمة وعدالة، بدل أن تتحول إلى أزمات ونزاعات شخصية.
الخلاصة – سؤال مفتوح
الحوكمة في الأعمال العائلية ليست ترفًا إداريًا، بل جسر يربط الماضي بالمستقبل ويحمي إرث العائلة من الرياح العاتية، ويضمن أن تُصان القيم قبل الأرباح.
السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً:
هل ستنتظر الأزمات لتبدأ الحوكمة، أم ستبدأ بها لتتفاداها؟
