الحلقة المفقودة في رؤية 2030: نظام وطني موحّد وملزم للمعايير الصناعية
سعيد محمد عبيد بن زقر — ٤ ديسمبر ٢٠٢٥
كان والدي رحمه الله محمد عبيد بن سعيد بن زقر — عضو مجلس إدارة مؤسسة النقد سابقًا — يكرر أن الإنفاق الحكومي لا يخلق قيمة ما لم يبقَ أثره داخل الاقتصاد. درس هذه الفكرة في Durham University حين كتب بحثه عن Kahn’s Multiplier، أول صياغة حديثة للمضاعف الاقتصادي؛ الفكرة الجوهرية بسيطة: إذا تسرب الأثر… ضاعت القيمة.
واليوم تظهر الصورة العملية لهذا المفهوم بوضوح في القطاع الصناعي السعودي.
فرغم جهود SASO وSFDA وتعدد المواصفات، ما زالت المملكة تفتقر إلى “منظومة وطنية موحّدة وملزمة للمعايير الصناعية” تُطبَّق على الواردات والصادرات دون استثناء. غياب هذا النظام يجعل السوق يعمل بهيكل تنظيمي غير مكتمل: المصنع السعودي يتحمل كلفة الامتثال الكامل، فيما تمرّ بعض الواردات دون المستوى ذاته، فينشأ تشوّه تنافسي، ويتسرب جزء معتبر من الأثر الاقتصادي الصناعي إلى الخارج، فتتراجع فعالية الأثر المتوقع للإنفاق الصناعي في خلق قيمة محلية مستدامة.
التجارب الدولية التي بُنيت عليها الاقتصادات الصناعية واضحة:
ألمانيا لا تدخل منتجًا بلا DIN وTÜV.
كوريا الجنوبية لا تمرّر سلعة دون K-Mark.
الاتحاد الأوروبي يعيد أو يتلف السلع غير المطابقة.
أما الإمارات فاعتمدت ECAS وحققت نموًا صناعيًا 7.6٪ سنويًا دون حوافز مالية ثقيلة.
هذه الأنظمة نجحت لأنها تُغلق مسارات تسرب المضاعف الاقتصادي الصناعي عبر أربعة محركات مترابطة:
مضاعف الإنتاج: إحلال المنتج المحلي محل المستورد.
مضاعف الجودة: رفع مستويات الاعتمادية داخل السوق المحلي وخفض معدلات العيوب.
مضاعف موثوقية التصدير: علامة المطابقة الوطنية الموحدة التي تفتح أسواقًا خارجية.
مضاعف الوظائف وسلاسل الإمداد: كل طبقة مطابقة تُنشئ طبقة جديدة من التوظيف والخدمات الصناعية.
وبالاستناد إلى التجارب المقارنة، فإن اعتماد منظومة موحّدة في غضون ١٢–٢٤ شهرًا سيقود إلى:
- تراجع الواردات غير المطابقة ٢٠–٣٠٪
- رفع عدالة المنافسة للمصانع المحلية
- نمو قطاع المصانع الصغيرة والمتوسطة ٥–١٠٪
- استقرار تدريجي للأسعار عبر سحب السلع الرديئة
وفي أفق ٣–٥ سنوات، يمكن للصادرات غير النفطية أن تتضاعف، مع انتقال 150–250 مصنعًا إلى مستوى “الجاهزية التصديرية”، وظهور سلاسل إمداد وطنية أعمق وأكثر ربحية.
إن حماية الأثر الاقتصادي للإنفاق الصناعي، ومنع تسربه للخارج، يبدأ باستكمال الركن المؤسسي الغائب: المنظومة الوطنية الموحدة للمعايير الصناعية. بدونها، سيظل بناء القاعدة الصناعية في رؤية 2030 غير مكتمل.
