التسامح في الأعمال العائلية: نبض النجاح المستدام

سعيد محمد بن زقر
يا من عرفت أن لكل إنسان هفوات وأخطاء، اعلم أن التسامح في عالم الأعمال العائلية ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو استراتيجية اقتصادية وإدارية حكيمة تُحوِّل التحديات إلى فرص، والخلافات إلى قوة موحدة تدفع المسيرة نحو الأمام.
حين يصبح التسامح قوة دافعة للنمو
في بيئة الأعمال العائلية السعودية، حيث تسهم هذه الشركات بنحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، أدركت الشركات الناجحة أن سر الاستمرار والازدهار يكمن في جعل التسامح جسراً يربط بين القلوب قبل أن يربط بين المصالح. فعندما يخطئ أحد أفراد العائلة في قرار أو موقف، فإن فتح صفحة جديدة بدلاً من اجترار الماضي يحوّل الشركة من مجرد كيان تجاري إلى منظومة متماسكة تنمو بالثقة والمحبة.
أسس التسامح في الإدارة العائلية
الوضوح في الأدوار والمسؤوليات يمثل الخطوة الأولى نحو بيئة متسامحة. فعندما يعرف كل فرد حدوده وصلاحياته، تقل فرص الخلاف وتزداد مساحات التفاهم. أما الميثاق العائلي الذي يحدد قواعد العمل وآليات فض النزاعات، فيغدو بمثابة الدستور الذي يحمي العلاقات من التآكل.
كما أن التواصل الصادق والمستمر يعد من أبرز ركائز التسامح في الأعمال العائلية. فالحوار المفتوح يخلق مناخاً من الثقة المتبادلة، حيث يشعر الجميع بأنهم مسموعون ومقدَّرون، فيتراجع التوتر ويعلو صوت التعاون وروح الفريق الواحد.
قصص نجاح سعودية بنكهة التسامح
تحكي قصة مجموعة العثيم أن التسامح والتفاهم بين أجيال العائلة كانا من أهم ركائز استمرارها. فعندما تولى عبد الله العثيم الإدارة بعد والده، لم يلغِ إرثه بل بنى عليه بحكمة وروح متسامحة، محوِّلاً متجراً صغيراً إلى إمبراطورية تجارية بمليارات الريالات.
وكذلك عائلة العليان التي حافظت على تماسكها عبر الأجيال من خلال ترسيخ قيم التسامح في إدارة أعمالها المتنوعة. فقد احترمت الأجيال الجديدة رؤية الآباء وطوّرتها بإضافة رؤى عصرية، مما قاد إلى استدامة النمو ودوام الازدهار.
آليات ترسيخ التسامح في الأعمال
المجلس العائلي يلعب دوراً محورياً في تثبيت قيم التسامح، حيث يجتمع أفراد العائلة دورياً لمناقشة القضايا واتخاذ القرارات بروح التفاهم والاحترام. هذا المجلس يصبح منبراً للحوار البنّاء وحل الخلافات ودياً.
كما أن سياسات الحوكمة الرشيدة، التي تضع آليات واضحة لمعالجة النزاعات والتعامل مع الأخطاء بعدالة وحكمة، تحمي الشركة من التفكك وتعزز استقرارها. فالهدف ليس معاقبة المخطئ، بل تصحيح الطريق واستخلاص الدروس.
التحديات وسبل تجاوزها
رغم فوائد التسامح، إلا أن الحدود بين العلاقات الشخصية والمهنية تظل تحدياً بارزاً. وهنا يتجلى دور القيادة الواعية في وضع ضوابط تحافظ على الود العائلي دون أن تضر بمصالح العمل.
كما أن المبالغة في المجاملة قد تنقلب سلباً على الأداء. لذا، ينبغي أن يكون التسامح قائماً على العدالة والحكمة، لا على المجاملة المفرطة التي تعيق التطوير.
الأثر الاقتصادي للتسامح
تشير الدراسات إلى أن الشركات العائلية التي تتبنى مبادئ التسامح مقرونة بالحوكمة الجيدة تحقق نمواً أكبر وأكثر استدامة مقارنة بتلك التي تفتك بها النزاعات الداخلية. فالتسامح يولّد بيئة عمل إيجابية تجذب الكفاءات وتغذي الإبداع، لينعكس ذلك مباشرة على الأداء المالي ودوام الازدهار.
في عالم الأعمال العائلية السعودية، حيث تشكل هذه الشركات العمود الفقري للاقتصاد الوطني، يصبح التسامح ضرورة استراتيجية أكثر من كونه قيمة أخلاقية. فمن خطأ اليوم نتعلم، وبعفو اليوم نبني غداً أفضل، وبوحدة اليوم نصوغ نجاحاً يتوارثه الأبناء والأحفاد.
ونختم بمسك الختام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لعمر رضي الله عنه عن حاطب بن أبي بلتعة: “يا عمر، إنه شهد بدراً”. فإذا زلّت قدم صاحبك يوماً، فابحث له عن معروف سابق، ففي حياة كل إنسان بدرٌ يغفر له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى