التحكيم الإلزامي الأمريكي: مخاطره، فرصه، ومعادلة الحماية للمستثمر الخليجي
منذ بعض الوقت يشهد السوق الأمريكي تحولًا جذريًا وخاصة بعد قرار هيئة الأوراق المالية (SEC) السماح للشركات بفرض التحكيم الفردي الإلزامي بدلًا من الدعاوى الجماعية. فهذا القرار لم يأتِ من فراغ؛ وانما لان الدعاوى الجماعية أعادت للمستثمرين خلال العقد الأخير أكثر من 30 مليار دولار — جزء كبير منها ذهب لصناديق تقاعد ومستثمرين دوليين. ومع تقييد هذا المسار، ترتفع المخاطر على كل مستثمر، خصوصًا المستثمر الخليجي الذي يوجه نحو 40% إلى 50% من أصوله العالمية إلى السوق الأمريكية.
فالسؤال الذي يطرح نفسه ما هو البعد القانوني: وما الذي تغير؟
ان التحكيم الإلزامي يمنح الشركة قدرة على:
• اختيار المحكّم من قائمة تحددها هي،
• منع جمع مئات أو آلاف المستثمرين في دعوى واحدة،
• فرض قواعد الجلسة،
• إصدار قرار نهائي غير قابل للاستئناف عمليًا.
هذا يعني تراجعًا كبيرًا في قدرةالمستثمر على استرداد خسائر ناتجة عن تضليل مالي — وهي خسائر قد تصل في بعض الحالات إلى مليارات الدولارات كما حدث في Enron وWorldCom.
ومن جهة البعد السياسي والاجتماعي: فقد يكون السؤال لماذا تزداد المخاطر؟
ان القرار صدر في بيئة أمريكية تعاني من:
• أعلى مستويات الاستقطاب السياسي منذ 50 عامًا،
• تراجع ثقة الطبقة الوسطى في وول ستريت بنسبة تتجاوز 30% بحسب استطلاعات الرأي،
• توسع نفوذ الشركات الكبرى في صياغة التشريعات.
فهذه العوامل مجتمعة تجعل كشف الفضائح المالية أبطأ، وتكلفتها أعلى، وتأثيرها أوسع.
واما في السياق الخليجي: فإن الأمر يتعلق بموقع المستثمر الخليجي اليوم.
ان المستثمر الخليجي يمتلك أدوات حماية أقوى من المستثمر الفردي الأمريكي، خصوصًا عبر:
• ملكيات استراتيجية في شركات مثل Uber، Lucid، وشركات تقنية كبرى،
• القدرة على فرض مقاعد مراقبين،
• طلب تدقيق مستقل قبل الاستثمار،
• تعديل شروط الاستثمار بما يخدم مصالحه.
لكن هذه القوة يجب أن تتحول إلى سياسة واضحة، لا ميزة عابرة.
ان الفرص تشير إلى أنه : ليست الصورة سوداء بالكامل، ورغم زيادة المخاطر، إلا أن هناك فرصًا مهمة:
• الشركات ذات الحوكمة الصارمة ستصبح أكثر جاذبية نسبيًا،
• تراجع ثقة المستثمرين الصغار قد يخلق فرص شراء منخفضة بنسبة 10% إلى 20% في بعض القطاعات،
• الشركات التي تبحث عن رأس المال الخليجي قد تقبل تعديلات واسعة على بنود الحوكمة.
الخلاصة الاستراتيجية كما يراها كاتب السطور. ان السوق الأمريكية تدخل مرحلة “حماية أقل، ومخاطر أعلى، ولكن فرص أكبر لمن يعرف كيف يفاوض”.
والمستثمر الخليجي — إذا استخدم قوته التصويتية، وتحليله المتقدم، ووزنه المالي — يستطيع ليس فقط حماية مصالحه، بل إعادة صياغة قواعد الاستثمار نفسها.
لذلك يصح القول بأن هذه ليست لحظة انسحاب، بل لحظة دقة، ووعي، واستثمار ذكي.
