‎الاغترار بكرم الله: قراءة في قوله تعالى (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم)”

سعيد محمد بن زقر
لقد حثنا رسول الله صلّ الله عليه وسلم بقراءة سورة الانفطار من باب الذكر والموعظة ولان هذه السورة الكريمة اشتملت على إثبات البعث، وعلى أهوال يوم القيامة، وعلى تنبيه الناس إلى وجوب الاستعداد لهذا اليوم العظيم، وعلى جانب من نعم الله على خلقه، وعلى بيان حسن عاقبة الأبرار، وسوء عاقبة الفجار. ولكن المقصد الرئيس للسورة: هو تحذير الإنسان من الاغترار ونسيان يوم القيامة. ويذهب المفسرون إلى أن معنى الآية الكريمة:
‎﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (الانفطار: 6) بان هذه الآية بمثابة خطاب توبيخ وتعجيب وتهديد للإنسان المقصّر في حق ربه، والذي يقابل نِعَم الله بالإعراض والمعصية.
‎قال ابن كثير: “هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب حيث قال: (الكريم)… المعنى: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم – أي العظيم – حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق”.
‎وأشار جلّ المفسرون إلى أن أعظم أسباب غفلة الإنسان وجرأته على مخالفة الطريق الحق، إما الجهل أو الغرور بالكرم الالهي والعفو أو خدعة من الشيطان.
‎وهذا التأويل الفقهي يقودنا إلى فهم مكانة السنة النبوية في الإسلام وقد
‎أجمع العلماء على أن من أركان الديانة الإسلامية تصديق النبي صلّ الله عليه وسلم فيما أخبر به، واتباع سنته والالتزام بما ثبت من الأحاديث الصحيحة، خاصة إذا كان الحديث من صحيح البخاري أو مسلم وتلقته الأمة بالقبول.
‎قال الامام النووي: “اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز: الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول…”. وقال الإمام إسحاق بن راهويه: “من بلغه عن رسول الله صلّ الله عليه وسلم خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر”.
‎وأكد عدد من الأئمة -كالسيوطي وابن الوزير- أن من أنكر حديث النبي صلّ الله عليه وسلم بعد ثبوته فقد ارتكب ناقضًا عظيمًا من نواقض الإيمان إذا علم نسبته للنبي صل الله عليه وسلم وكذّبه.
‎وبيّن الشيخ ابن باز وجوب قبول كل الأحاديث الصحيحة وعدم الاعتراض عليها بالرأي أو العقل أو غير ذلك، وقال سماحته : “محكوم بصحتها ولا يجوز لأحد أن يردها، بل يجب قبولها كما قبلها العلماء قبلنا… بل يجب عليهم التوبة من ذلك…”.
‎ولهذا فإن انكار الاحاديث يندرج ضمن سياق الجهل بعلوم الشريعة وعلم الحديث ويذهب العلماء إلى من أنكر الحديث المتفق على صحته بين أهل العلم وأنه من كلام رسول الله صلّ الله عليه وسلم ولم تكن لديه شبهة علمية معتبرة، يكون داخلاً في وعيد هذه الآية “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم”، حيث أغرّته نفسه بالأمان الكاذب فظن أن الحجة تقوم بمجرد عقل أو هوى أو تقليد لشبهات المستشرقين وأهل الأهواء، ولم يقدّر حق ربّه الذي أوجب اتباع رسوله صلّ الله عليه وسلم.
‎وقد أكدت الفتاوى المعاصرة ومجالس العلماء أن إنكار الحديث المتفق على صحته هو بدعة وضلالة ومكابرة، ولا يكفر صاحبه إلا إذا علم ثبوته وصحة نسبته للنبي صلّ الله عليه وسلم ثم جحده عن علم وعناد، أما من أنكره لشبهة أو جهل فيُبيَّن له الحق، فإن أصر بعد البيان فهو على خطر عظيم.
‎ويذهب اهل العلم إلى أن من احتكم إلى عقله أو هواه أو أقيسة فلسفية قديمة أو معاصرة في رد خبر رسول الله صلّ الله عليه وسلم فقد وقع في غرور باطل، وصدق عليه قوله تعالى: “ما غرك بربك الكريم”، فهو لم يقدّر الله حق قدره وحاد عن منهج السلف الصالح.
‎وهناك مصادر معتبرة من كلام أهل العلم يمكن الرجوع إليها كما في:
• تفسير ابن كثير للآية: تفسير ابن كثير
• تفسير السعدي والبغوي والجلالين:
• فتاوى إسلام ويب حول إنكار الأحاديث الصحيحة:
• فتاوى الإمام ابن باز:
• إجماع الأمة على وجوب القبول والعمل بالأحاديث الصحيحة إذا ثبتت صحتها عند العلماء:
‎ومن يطلع على هذه المصادر المرجعية لابد أن يظهر له بجلاء أن رفض الأحاديث الصحيحة المتفق عليها جحود للحق وغرور بالنفس أو تقليد للباطل، وقد حذّر الله عباده من التمادي في هذا الطريق بالاستفهام التعجيبي والتوبيخي في قوله ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ولا تجعلنا من اهل الاغترار بالنفس أو بتقليد الباطل والتمادي فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى