الاعتداء في الأعمال العائلية: حين يعتدي الأخ على الأخ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
يا أيها الشاب، يا من تطمح إلى بناء مستقبل مشرق في تجارة أهلك أو مشروع عائلتك، اعلم أن الله عز وجل جعل في كل رزق أمانة، وفي كل منصب تكليف، وما جعل الله منصبًا أو مالاً إلا وجعل معه حدودًا لا ينبغي تجاوزها.
إن المناصب والأرزاق في الشركات العائلية ليست مغانم تُنتهب، بل أمانات تُؤدى، ومسؤوليات تُحمل على الأعناق يوم القيامة. فإذا رأيت أخاك أو قريبك قد كُتب له منصب أو مسؤولية، فاعلم أن الله هو الذي كتبها له.
الاعتداء: تجاوز الحد المشروع
ورد معنى الاعتداء في قوله تعالى: “إنه لا يحب المعتدين” سورة الأعراف (آية 55)، والتوجيه الرباني هو الامتناع عنه لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب من يجاوز الحدود التي وضعها في كل الأمور، وخاصة في الأقوال والأفعال.
ولهذا فإن تجاوز الحدود الشرعية لا يجوز ولو كان في العبادات كما في رفع الصوت والصياح، التكلف في المسألة، طلب ما لا يليق للعبد مثل منازل الأنبياء، أو الدعاء بمعصية أو إثم. ومرفوض في السلوك: لان الاعتداء هو الظلم وإلحاق الضرر بالآخرين بدون وجه حق أو تجاوز الحد المشروع في أخذ الحق أو تطبيقه.
فما الاعتداء إلا تجاوز ما حدّ الله، سواء في أخذ ما ليس لك، أو انتحال منصب لم يُكتب لك، أو التلاعب في الأوراق والوثائق لتحقيق مآرب شخصية. فمن اعتدى بأخذ ورقة أو مستند يُثبت حقًا لغيره، أو استولى على منصب بالمكر والخديعة، فقد وقع تحت قول الله: “إنه لا يحب المعتدين”.
وإذا افترضنا أن حجة الإسلام أبو حامد الغزالي اسْتُفتِي في عاقبة الاعتداء في الدنيا لقال رحمه الله ” واعلم يا بني أن لكل اعتداء عاقبة في الدنيا قبل الآخرة. فما رأيت مالاً اكتُسب بالاعتداء إلا ومُحقت بركته، وما رأيت شركة عائلية تفشى فيها الظلم والاختلاس إلا وابتُليت بالحرائق والخسائر، حتى لو ارتفعت مبيعاتها. إنها سنة الله في الأرض، أن المال الحرام لا بركة فيه، وأن الظلم يهدم البيوت وإن كانت من حديد”.
وسيضيف الامام حجة الإسلام الغزالي هذه الحكم: ان الرزق وتوزيع المناصب تكليف لا تشريف.
ان المنصب الإداري أو الموقع في الشركة العائلية ليس مجرد مكافأة دنيوية بل هو رزق مكتوب وتكليف شرعي ومسؤولية عظيمة أمام الله أولاً، ثم أمام العائلة والشركاء.
ان من اعتدى على غيره وأخذ ما ليس له، مثل تحريف الأوراق الرسمية أو الاستيلاء على منصب دون حق، فقد تجاوز الحد الذي شرعه الله، ووقع تحت وصمه المعتدين الذين لا يحبهم الله.
وسيوضح الامام الغزالي رحمه الله صور الاعتداء في العمل العائلي ومنه:
الاستيلاء على أوراق أو مستندات تُثبت حقوقًا ليست له وانتحال مناصب أو مزايا بغير حق.
ومن صور الاعتداء الدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم.
كذلك من الصور اختلاس الأموال المشتركة ولو بالنِية والتواطؤ ، ومثلها التلاعب بالقوائم المالية والتلاعب بالحسابات، أو التصرف بالأصول دون إذن بقية الشركاء.
وأكبر تجاوز للحدود وأكبر اعتداء على مال العائلة تجاهل مبدأ الشفافية في الإدارة، أو استغلال نفوذ المنصب لتهميش أصحاب الحق من أفراد الأسرة.
ولهذا فان النصيحة للشباب وخاصة الذين يعملون في الشركات العائلية، إذا وُليت أمرًا في شركة أهلك أو عملهم، فاتق الله فيما وُليت، واحذر أن تكون ممن يأخذ ما ليس له. وإن رأيت من يعتدي على حقوق إخوانه، فانصحه في رفق ولين، وذكِّرهُ بالله الذي سيسأله عما استرعاه.
وليكن شعارك في العمل العائلي: العدل والشفافية والأمانة. فإن العدل أساس الملك، والأمانة سبب البركة، والشفافية طريق الثقة. وما زالت اي أمة أو شركة أو عائلة بخير ما دام العدل فيها مقامًا، والحق فيها ظاهرًا.
واذا كان لكل فعل عاقبة ورد فعل فان عاقبة الاعتداء على حقوق الشركاء في الشركات العائلية سينعكس سلبا على مصالح الشركة بحيث تزداد السرقات والاختلاسات والحرائق والخسائر حتى مع ارتفاع المبيعات، فيكون المال بلا بركة، وتتفشى المشكلات المالية والأخلاقية.
ومن العواقب المعاشة فقدان الثقة بين الشركاء وذوي القربى، وقد يصل الأمر لزوال الشركة أو تشتت الأصول وفقدان ملكية العائلة.
ومسك الختام:
اللهم اجعلنا من الذين يقيمون الحق ولو على أنفسهم، ومن الذين لا يعتدون على حقوق غيرهم طمعًا في الدنيا. وما النجاح الحقيقي إلا في رضا الله عز وجل، وما الفلاح إلا في العدل والإحسان ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
