الاختبار الأول والثاني للأمم
تاريخ الأمم ليس فقط سلسلة من الحروب والانتصارات، بل يصح أن يكون سلسلة ضمن اختبارين متعاقبين:
الأول حين تُضطهد وتُسلب إرادتها، من عدو خارجي، والثاني حين تمتلك القوة وتُتاح لها فرصة الرد.
في الأول تُقاس قدرتها على الصبر والتمسك بالأمل، وفي الثاني تُقاس قدرتها على ضبط القوة بالضمير.
بين هذين الامتحانين يتكوّن الوعي الأخلاقي الذي يرفع الأمم أو يُسقطها.
لقد عرفت جنوب إفريقيا كيف تجتاز هذين الاختبارين بوعي نادر.
فبعد عقود من التفرقة العنصرية، اختار الرئيس نيلسون مانديلا المصالحة بدلاً من الانتقام، وأنشأت جنوب أفريقيا لجنة الحقيقة والعدالة التي أعادت صياغة العلاقة بين الذاكرة والإنسان.
لم تكن تلك التجربة سهلة، لكنها أثبتت أن التسامح المنظّم أقوى من العنف المتبادل، وأن بناء المستقبل لا يتم في ظل الخوف. وبفضل ذلك نال القس ديزموند تيتو جائزة نوبل للسلام في العام ١٩٨٤م.
أما إيرلندا الشمالية، فقد انتقلت من قرنٍ من النزاعات إلى مرحلة سلامٍ سياسي دائم عبر اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي جمع بين الإرادة المحلية والضمانات الدولية.
لقد برهنت التجربتان أن الأمم التي تضبط القوة بالقيم تكتب فصولًا جديدة في تاريخها، لا تكرّر فصول الألم القديمة.
وفي عالم اليوم، تواجه إسرائيل – ومجتمعها الاستيطاني– الاختبار الثاني الذي تواجهه كل أمة بعد امتلاكها القوة.إن تحقيق الأمن مشروع لكل دولة، لكن القانون الدولي يذكّر الجميع بأن الأمن يفقد معناه حين يُبنى على إنكار حق الآخرين في الأمن ذاته.
فالقيادة الأخلاقية لأي أمة لا تُقاس بما تمتلك من السلاح أو التحالفات، بل بقدرتها على الموازنة بين الحق والرحمة، وبين الذاكرة والعدالة.
لقد أظهرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2004، كما أوضحت قرارات مجلس الأمن، أن احترام القانون الدولي هو الضمان الحقيقي للاستقرار، لا القوة وحدها.
والتاريخ بدوره يثبت أن الأمم التي تجعل من القيم جزءًا من أمنها تبقى في الذاكرة كقوة بنّاءة، لا كقوة عابرة.
وفي العالم العربي، حيث تمرّ بعض الدول بمرحلة انتقال من الأزمات إلى الاستقرار، يبقى الدرس ذاته حاضرًا:
القوة وحدها لا تصنع النهضة، بل الأخلاق التي تضبطها.
فالأمم التي تُحوّل معاناتها إلى مشروع للعدالة تبني مستقبلًا، وأما التي تجعل من الألم ذريعة للهيمنة فتخسر التاريخ قبل أن تخسر الجغرافيا.
نسأل الله أن يعم الأمل والتفاؤل والسلام ويوقف الحرب وسيل الدماء.
….
١٠ نوفمبر ٢٠٢٥
