الأعمال العائلية بين نور الإيمان وظلمة الهوى
في عالم الأعمال العائلية، يصح القول بأن الخطر الأعظم لا يأتي من المنافسة ولا من تقلّبات الأسواق، بل يتسلل خفيةً حين يتراجع نور الإيمان في ممارسات المنشأة أمام ظلمة الهوى في القلوب والقرارات. عندها تتحول القيادة من رسالةٍ وأمانةٍ إلى غنيمةٍ ومكسب، ويبدأ المسار في الانحدار بصمت، إذ تذبل البركة من الداخل حتى وإن ازدانت القوائم المالية بالأرقام والإنجازات.
ويتراجع النمو امام المصالح الذاتية.
يذكّرنا القرآن بأن الانحراف يبدأ من عمق النية قبل أن يظهر في السلوك:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].
فحين يجعل القائد نفسه أَوْلى من الجماعة، وهواه أعلى من الهُدى، تبدأ أخطر أمراض العمل العائلي بالظهور. فيصبح البقاء على الكرسي هدفًا في ذاته، ويتحوّل المنصب إلى غايةٍ لا وسيلة، فتُطوَّع النصوص لتبرير المصالح بدلًا من الاحتكام إلى القيم.
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].
وهذا دليل على أن من يجعل هواه مرجعه يفقد نور الإيمان، ويغرق في المظاهر والصلاحيات. ومع غياب خشية الله، تنتشر المنافسات العقيمة ويسود الجدل غير المنتج، حتى تُطفأ روح المؤسسة مهما كان تاريخها أو حجمها.
إن بقاء الأعمال العائلية لا يُقاس بعمرها أو حجم أصولها، بل بمدى التزامها بالقيم التي تأسست عليها. فالإيمان في بيئة العمل لا يُختبر في الشعائر أو المواسم، بل في العدل بين الأفراد اصحاب المصلحة ، وفي توزيع المسؤوليات، واحترام حقوق الأجيال المتعاقبة.
فمن أراد صيانة إرثه العائلي فعليه أن يجعل الإيمان رقيبًا على النفس، لا أن يستخدم القيم لتبرير المكاسب. ولأن الحماية القيمية لا تتحقق بالأقوال بل بالممارسة، فالحل في ميثاقٍ عائليٍّ يربط السلطة بالمسؤولية، ويجعل القيادة تبادلًا لا حيازة شخصية، ويُرسّخ الحوكمة الرشيدة كحارسٍ للنية من الانحراف.
وهكذا يمضي بعض القادة في طريقٍ يظنونه رشدًا، وقد حُجب عنهم نور البصيرة. تلك هي العقوبة الأخفى: أن يُترك الإنسان لما اختاره، فيرى نفسه مصيبًا وهو في التيه. قال تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
يُستدرج الانسان بنجاحٍ ظاهريٍّ يخلو من البركة، فتتوالى الإفلاسات والمصائب كإنذارٍ ربانيٍّ بأن البركة قد نُزعت، وأن من غلب هواه على إيمانه حُرم التوفيق قبل أن يُحرم المال.
﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجرات: 16].
وهذا حال من أوكله الله إلى نفسه، فحجب عنه النور حتى صار يفسّر دين الله كما يراه هو، لا كما أمر الله ورسوله محمد ﷺ وعلّمه لاصحابه وتابعيه.
…..
– ١٢ نوفمبر ٢٠٢٥
