الأعمال العائلية: السابقون السابقون
سعيد محمد بن زقر
كنتُ قد استمعتُ لتلاوة الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله لآيات ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فأثارت في القلب خشيةً قديمةً طالما حدّث عنها الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتبه، حيث يجعل الإنسان ينظر في نفسه، وماله، ومناصبه، وأماناته نظر محاسبة لا نظر استحقاق. ومن هذا التأثر جرى هذا الحديث.
فيا هذا، اعلم – وفّقك الله – أن المال الذي تتقلب فيه، والمناصب التي تتزين بها، والسلطان الذي بسط لك، ليست بشيء من صنعك، وإنما هي أمانات استودعك الله إياها، ينظر كيف تعمل فيها، ويبتليك بها لينظر أيّكُم أحسن عملاً. فإياك أن تظن أنّ الشركة التي ورثتها، أو الحصة التي مُنحتها، أو المنصب الذي شُرّفت به، شيء لك على الحقيقة؛ بل هو رزقٌ قُسِم قبل أن تُخلق، وعطاءٌ سُطّر قبل أن تُوجَد.
وإياك – يا عبد الله – أن تتعرض لِما قُسِم لغيرك؛ فإنّ منازعة الأرزاق منازعة للقدر، ومن نازع القدر قصمه القدر. فمن أراد أن يبني مجده على كسر قلب مؤمن هدم الله بنيانه من حيث لا يشعر. وكم من بيوتٍ ظنّ أهلها أنهم أحكموا أركانها فجاءتها النيران تحرق بلا هوادة، وكم من شركاتٍ دخلتها الاختلاسات والخسائر كما يدخل السوس في الخشب؛ وما ذلك إلا عقوبة ظلمٍ خفي، أو رزقٍ مُنع، أو خاطرٍ لم يُجبَر.
واعلم أنّ المنصب في الأعمال العائلية رزقٌ كسائر الأرزاق؛ فمن أُجبر على تركه خوفاً أو تهديداً، أو حُمل على “الرضا” حياءً وقهراً، فما رضي قلبه، ولا ارتضى الشرع فعله. فالموافقة تحت الخوف بيعٌ باطل، والتوقيع تحت الإكراه لا يرفعه القلم في السماء. وكيف تُرجى البركة في بناءٍ أساسه ظلم، أو في طريق بدايته غصب؟
يا هذا، إنّ جبر الخواطر من أعظم القربات، وكسرها من أعجل العقوبات. فالخاطر إذا انكسر، انكسر معه من التوفيق بقدر ما انكسر في قلب العبد. وإنّ لله عباداً جعلهم مفاتيح للخير، يجبرون القلوب، ويعيدون الحقوق، ويقيمون العدل؛ فأولئك هم “السابقون السابقون” لا بأموالهم، بل بورعهم وخشيتهم.
ولا تظنّ الظلم يضيع؛ فالصحائف محفوظة، والأقلام جارية، والله لا ينسى. سيأتي يوم تُبْلَى السَّرَائِرُ، وتُفتح الكتب، ويقال: هذا يوم لا ينطق فيه إلا الحق. فهناك يفرح من جبر، ويُخزي من كسر، ويُرفع من عدل، ويُسقط من تجبّر.
فالزم – يا عبد الله – العدل، وردّ الحقوق، وجبر الخواطر. “فمن سار بين الناس جابرًا للخواطر، أدركته عناية الله وهو في جوف المخاطر”. ولا تجعل سلطانك حجاباً عن الآخرة؛ فإن كل منصب يزول، وكل مال يفنى، وكل اسم يُنسى… إلا من جاء الله بقلب سليم، وأمانة مؤدّاة، وخواطر مجبورة. فهو من السابقين السابقين حقاً، وإن قلّ ماله وضعفت قوته.
….
17 نوفمبر 2025
