اقتصاديات الرياضة بين ضياع العلامة وتحديات المستقبل
Saeid MO Binzagr — 25 November 2025
في صيف 1994، انطلقت كرة سعيد العويران من نصف الملعب في واشنطن، مخترقة الدفاعات البلجيكية قبل أن تستقر في الشباك في واحد من أطول وأشهر الأهداف في تاريخ كأس العالم. كانت تلك اللحظة إعلاناً مبكراً عن الإمكانات السعودية وقدرتها على إبهار العالم. واليوم، وبعد ثلاثة عقود، يبرز السؤال: لماذا ما زالت كرة القدم السعودية قوية في الملعب… وضعيفة في دفتر الإيرادات؟
جوهر المشكلة أن أنديتنا تُدار بعقلية “النشاط” لا “الكيان الاقتصادي”، رغم توفر المقومات. أول التحديات هو ضعف حماية العلامة التجارية وانتشار الموازي. ففي الدوريات العالمية تمثل العلامة بين 20% و40% من دخل النادي، بينما تواجه أنديتنا فيضاً من المنتجات المقلدة التي تقوّض قيمتها التسويقية. ويزداد الأمر تعقيداً بسبب ثغرات التنفيذ؛ فطول المسار القضائي يسمح للمخالفين بالاستمرار في البيع حتى صدور الحكم، مما يسبب خسائر مضاعفة للعلامة.
وقد مرت المملكة بتجربة تنظيمية ناجحة قبل إنشاء الهيئة، حين اعتمدت الجمارك نموذجاً عملياً يقوم على إخطار ممثل العلامة خلال 24 إلى 48 ساعة للتحقق من البضائع. فإذا ثبت التزوير تُمنع الشحنة فوراً، وإن كانت سليمة تُطلق للسوق. كان ذلك الإجراء ديناميكيّاً وفعّالاً، وساهم في حماية الاقتصاد والمستهلكين. إلا أن إلغاء هذا النموذج ترك فراغاً تنظيمياً سمح بعودة الموازي إلى الواجهة وإضعاف قدرة العلامات — بما فيها شعارات الأندية — على حماية قيمتها.
التحدي الثاني هو ضياع الفرص الاستثمارية. فالأندية السعودية تمتلك جماهيرية هائلة وبنية تحتية متقدمة، لكنها لا تستغل قطاعات تصنع مليارات عالمياً: التجارب الرقمية، المحتوى الحصري، الأكاديميات، الألعاب الإلكترونية، والمتاجر الرسمية. للمقارنة، يحقق مانشستر يونايتد أكثر من 900 مليون دولار سنوياً، جزء كبير منها من العلامة التجارية وحدها، بينما تظل الإيرادات التجارية لأكبر أنديتنا متواضعة ولا تعكس حجم السوق.
أما التحدي الثالث فهو ضعف تبني الذكاء الاصطناعي، رغم أنه أصبح اليوم العمود الفقري للأندية العالمية. فالذكاء الاصطناعي لا يحسن الأداء الفني فحسب، بل يخفض التكاليف، ويرفع كفاءة اتخاذ القرار، ويخصص التجربة الجماهيرية، ويحول الملاعب إلى منصات ذكية. تجاهل هذه الأدوات يبقي الأندية خارج المنافسة الحقيقية.
إن مستقبل الرياضة السعودية لن يُبنى بالصفقات الكبرى وحدها، بل ببناء صناعة رياضية مستدامة تُحمي العلامة التجارية، وتغلق ثغرات الموازي، وتستثمر الجمهور، وتتبنى الذكاء الاصطناعي كأداة تشغيلية أساسية.
فالفرق العالمية تصنع اقتصاداً من الشعار…
وأنديتنا ما تزال تسمح بتقليده.
