ادب الاختلاف في الاعمال العائلية

سعيد محمد بن زقر
الاختلاف في مَدلُوله اللغوي قد يوحي بنوعٍ من التكامل والاتساق والتناغم، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور} [سورة فاطر:28]ويبين الخلاف بين الإمام مالك وشيخه الامام الزهري في موضوع حيض الحامل المستوى الرفيع لادب الخلاف واتساقه وجمالياته وحصره في الموضوع وليس في الشخص، فالزهري رحمه الله كان يرى أن الحامل لا تحيض بينما الرأي الراجح عند الامام مالك والمالكية عموماً هو أن الحامل تحيض، وأن الدم النازل منها في وقت دورتها المعتادة هو دم حيض، وأن عليها ترك الصلاة والصيام. بينما لم يكن ذلك راي شيخه الزهري الذي يقول ان الحامل لا تحيض وبالتالي يحرم عليها ترك الصلاة والصيام وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة إلى أن الحامل لا تحيض وما يُرى منها من دم انما هو دم فساد وعلة لا دم حيض. وشاهدنا كما يقول الدكتور سعيد الكملي ان الزهري لم يقل ان مالكا تلميذا عاقاً ومالك لم يقل ان شيخه اخطأ فقد الغرض الانتصار للسنة النبوية. وبينما هذا الخلاف جوهري وكبير حول الصلاة والصيام إذ يقول احد الإمامين اذا رايت الدم فلا تصلي ولا تصومي والاخر يقول لا ان تركت الصلاة فهذا حرام. ولهذا فان اي خلاف مهما كانت تعقيداته وكان يدور حول الموضوع فانه سيحقق الهدف واي خلاف غير موضوعي مهما كان صغيرا فانه لا يقود إلا الى الشخصنة وتعميق الخلافات وتوليد المواقف السلبية التي تمنع الحوار والتفاهم.
وهنا نجد حق الاختلاف وحق قبول الرأي الآخر. ويحضرني ملمح مهم في هذا السياق. فقد كان يفصل بين مكتبي ومكتب ابن عمي السفير الدكتور غازي فيصل بن زقر سفيرنا فوق العادة في طوكيو حينما كان على راس العمل في شركات العائلة وكنا كالعادة نشارك الأعمام الاجتماعات ونستلهم منهم المعارف، وكان يقول ابن عمي عبارة موحية بالدلالات يكررها باستمرار في ان الخلاف في الرأي ينبغي أن يقرب بين الناس بمعنى أن كان رأيه خطأ فانه سيطرحه من وجهة نظره فان كانت وجهة النظر غير صحيحة فأقنعني بما هو صواب وسأقبل بالصواب وأغير رأيي وأما إذا كان لم تقتنع بما هو صواب فهذا لا يمنع من قبول حق الاختلاف ولكن ينبغي أن نعمل سوياً بايجابية وموضوعية لتحقيق اهداف العمل. وهذا الأمر سيقودنا إلى الصواب. لان
الإقرار الراقى بحق الآخرين في التفكير والسلوك سيخدم الأعمال العائلية من كان يحكمه المنطق وبالضرورة مقيد بشروط وحدود لا تضر الآخرين.
ومن جهة أخرى فإن قبول الرأي الاخر فيه تقدير وتنويه بالتنوع بفهم أن الاختلافات بين الأفراد هي أمر طبيعي تثري الحياة وتدفع عجلة الإبداع والتطور. ولكي يتحقق هذا الهدف ينبغي
الابتعاد عن الأحكام المسبقة بتجنب الصور النمطية والتحيزات التي تشوه رؤيتنا للآخرين ولافكارهم مما يعيق التعاون والتفاهم ويقود إلى التشبث بالرأي والموقف الشخصي والانتصار للذات.
وهذا الفهم الرفيع لأدب الخلاف أعتبره اقرب إلى الصواب ويندرج في سياق الخلاف بين الامام الزهري وتلميذه الامام مالك فكلاهما كان يدافع عن السنة وعن ما يراه صحيحا بموجب نصوص الشرع الحنيف. ولكن مثل اي رأي آخر مختلف فانه يولد رد فعل مقابل من الذين ليس لديهم القدرة على التكيف مع التحديات والمواقف الجديدة او عدم القدرة على استيعاب وجهات نظر مختلفة. ولهذا كان بعض
المديرين في شركات المجموعة يرون غير ما يرى اخي الدكتور غازي ولان الانسان عدو ما جهِلْ فان البعض يعتقد ضرورة اخذ كلامه كما هو بذرائع مختلفة واحيانا يتعرض للنقد السلبي او حتى الهجوم بطريقة غير منطقية يصدق عليها القول المأثور “إذا بليت فاستتروا ” والإنسان يبتلى بالخير ويبتلى بالجهل ومن هنا يعادي بعض الناس الحوكمة الرشيدة ويعادي الشفافية والنزاهة باعتبارها ممارسة وموجودة بينما الأمر اكبر من ذلك. و يتعلق بالاجابه على السؤال الجوهري لاي عمل عائلي أو غير عائلي. والسؤال هو كيف يمكن التعامل مع اختلاف وجهات النظر داخل المؤسسة وكيف يمكن التعامل مع التباين في المواقف والتقديرات الادارية والقيادية. هل يتم ادارة الامور جميعها بالشورى وقبول حق الاختلاف والعمل وفق ما يرضي الله ورسوله ام ان الاجابة على كيفية ادارة الاعمال العائلية واستدامتها يتم بالاستبعاد وقمع الرأي المختلف والتشبث بالمقاعد واساند العمل الى شخص او اثنان يعتبران اي راي غير رأيهما خطأ ولو كان صحيحاً. وهذا خيار ولكن كل خيار له ثمن وله نتيجة معروفة. فمن يسعى لاستدامة الاعمال العائلية لابد أن يراعي شروط الاستدامة ووسائل النجاح والتخطيط السليم له. فان لم يراعي ذلك فانه يخطط لتحقيق عكس مقاصد الاستدامة وعكس مقاصد النجاح ونقيض اهداف المنشأة العائلية. ولهذا تظهر اعراض الفشل في هيئة تعثر العمل العائلي من حيث تراجع الأداء وزيادة التكاليف والمصروفات والاستدانة من النظام المصرفي لتغطية احتياجات العمل وتسييره، ثم الانحدار الى مستوى العجز التام عن الوفاء بالالتزامات المالية وقد تصل المنشأة مرحلة الافلاس. وهذا المآل منطقي ومثبت علمياً ويتسق بالضرورة مع نوع القيادة التي تقود الشركة. ومن المعلوم أن ضعف القيادة ياخذ أشكالًا متعددة، بدءًا من غياب الرؤية الواضحة وصولًا إلى ضعف التواصل مع الآخرين المختلفين وغير المختلفين فضلاً عن عدم القدرة على التكيف مع التغيير. وهذه الاعراض لا تعيق القدرة على وجود قيادة فعالة في الشركة العائلية فحسب، بل تؤثر أيضًا على الأداء العام للشركة ومعنويات فريق العمل. واختم بان الشركات العائلية التي تنتقل بنجاح من مرحلة إلى أخرى هي بالضرورة شركات تشترك في ميزات مع بعضها البعض من حيث وضوح الرؤية والالتزام بالقيم الأساسية وبرسالة الشركة. وان كل من يستقطب للعمل في الشركة سواء من افراد العائلة أو من العاملين من خارج العائلة فهم يعرفون هذه القيم والرؤية ورسالة الشركة وأنهم يقبلون العمل لتحقيق اهداف الشركة وتجسيد رؤيتها في العمل. وان هذه القيم مواكبة للتطور واقتصاد السوق وتسوية المنازعات واختلاف الراي والتوجهات. وان وجود ممارسات الحوكمة ووجود ميثاق عائلي بقدرما تتحقق بهما المصلحة فان الحوكمة تحمي الاستدامة وتصبح مصدر لاجتذاب الكوادر البشرية المبدعة التي تحتاجها الشركة لإنجاز المهام والمسؤوليات . بغير هذه القيم فان ادارة الشركة ستقاوم فوائد التغذية الراجعة، ولن ترغب في الانخراط في التطوير الشخصي أو المهني . لانها ادارة تتجاهل النقد البنّاء، وترفض الاعتراف بنقاط ضعفها، وعادةً غير راغبة في التغيير. وهذه المقاومة تحد في النهاية من نمو الشركات العائلية، وتخنق ثقافة التعلم داخل الاجيال التي يفترض أن تصبح قادرة على القيادة ومهيئة لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى