إيلون ماسك… بين بهار الجديد ودرس التاريخ الاقتصادي

Saeid MO Binzagr — 25 نوفمبر 2025

يقول المثل السعودي: «كل جديدٍ له بهار… ثم يرجع الحال كما كان.» وهذه حكمة تلخّص بدقّة تاريخ الوعود التقنية التي تلمع في أعين الناس لحظة ظهورها، ثم يعيدها الواقع إلى حجمها الطبيعي. تصريحات إيلون ماسك الأخيرة حول عالم بلا عمل وبلا فقر — بل وبلا قيمة للمال — ليست بعيدة عن هذا السياق، بل هي تكرار لوعود قديمة ظهرت منذ نهاية القرن التاسع عشر مع المعارض العالمية.

فمفهوم “اقتصاد ما بعد الندرة” يقوم على فكرة أن الروبوتات ستنتج كل شيء بكلفة شبه صفرية، فيختفي معنى المال وتنتفي الحاجة إلى العمل. لكن التاريخ قدّم مثالًا صارخًا يناقض ذلك: ففي معرض نيويورك العالمي عام 1939 توقّعت الشركات أن يعمل الإنسان 16 ساعة أسبوعيًا بحلول 1960 بفضل الأتمتة. ما حدث أن الوظائف لم تختفِ، بل تغيّرت، وولدت قطاعات جديدة بالكامل.

هذا ما يؤكده الاقتصادي Warren Mosler الذي يرى أن التكنولوجيا قد تُقصي وظائف، لكنها توسّع الطلب البشري على منتجات وخدمات جديدة، لأن رغبات البشر لا حدود لها، ولأن السياسة المالية — وليست الروبوتات — هي المحرّك الحقيقي للعمالة. أما Mariana Mazzucato فتذهب إلى ما هو أبعد، مؤكدةً أن الابتكار لا يخلق منتجًا فقط، بل يصنع «سلسلة قيمة تُولد حوله» من وظائف وخدمات وصناعات مساندة، وأن التقنيات الكبرى مثل الإنترنت وGPS والذكاء الاصطناعي نفسها «ولدت ملايين الوظائف بدلًا من أن تُلغيها».

وهنا تظهر أهمية الربط بالسياق السعودي. فالمملكة لا تتبنى سردية “عالم بلا عمل”، بل تسعى — ضمن رؤية 2030 — إلى رفع مهارات البشر، لا إقصائهم، وإلى توطين الصناعات التقنية، لا الاستسلام لفكرة الأتمتة الكاملة. الاستثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات الصناعية، والتقنيات المتقدمة في نيوم والرياض والهيئات القطاعية، لا تهدف لاستبدال البشر، بل لخلق وظائف عالية القيمة في البرمجة والهندسة والتحليل والبحث.

وعليه، فإن خطاب ماسك ليس خاطئًا في الاتجاه، لكنه مبالغ في النتيجة. نعم، التكنولوجيا ستغير شكل العمل، لكنها لن تُلغي الإنسان. نعم، سنقترب من وفرة أعلى، لكن المال لن يفقد معناه. نعم، ستُختصر المهام، لكن المهارة البشرية ستظل صُلب العملية الإنتاجية.

فالوفرة ليست نهاية العمل… بل بداية شكله الجديد — بشرط أن نفهم أن “بهار الجديد” لا يلغي قواعد التاريخ ولا طبيعة الاقتصاد البشري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى