أو جيعان أنا
قال الله تعالى في سورة الحديد (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
يقول سماحة الدكتور محمد راتب النابلسي في تفسير هذه الآيه ، لك أن تتصور عندما يصف الله الأجر بالكبير، فلا يمكن لعقل أحدنا تخيُّـل حجم هذا الأجر. وهذه الآية الكريمة ملهمة لفكرة أن الله يمنح الإنسانية خارطة طريق للإستدامة من خلال الانفاق من الخواص وما أنعم الله به على الإنسان من خواص ليستخدمها وينفق منها. ومن حكمه البالغة أن خواص الناس تختلف فالبعض يميل بخواصه للطب أو للهندسة أو الأعمال الحرة أو الإبتكار والتعليم أو أن يكون عالم أبحاث، أو ضمن التيار الأكاديمي وهكذا. فخواص الإنسان التي ينفق منها نعم وضعها الله في الكون. ونحن مستخلفين في خواصنا، كاستخلافنا في الموارد الطبيعية من بترول ومعادن أو أنواع الزراعة ومحاصيلها المختلفة ومنتجاتها من القطن وغيره في أرضه الواسعه. ويفترض أن تستخدم هذه النعم للاستدامة ضمن فكرة الاستخلاف قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى* وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتقاكم). وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن تقسم هذه النعم في الأرض ليتم تعميرها تحقيقا لمفهوم الخلافة والتعارف والتعاون والتبادل. وفي قدرة الله أن تكون كل هذه النعم في مكان واحد من الأرض. إذن لما تعارف الناس ولم يحققوا مفهوم التبادل وتعمير الأرض أو انتشر الإسلام.
هذه المقدمه أوردتها كمدخل للجزء المكمل للعنوان (جيعان أنا) وهي من ذكريات أرشيف الأسرة. من قصص الجيل الثالث. الذي يضم عمي وهيب رحمه وأعمامي فيصل ووالدى وعمي عبدالله وعماتي أطال أعمارهم جميعا. كأي أسرة أذكر جدى وجدتي ومشاركتهم لتجاربهم وقصصهم في المجتمع والأسرة. وهي ذكريات يصعب اختزالها في كلمات. ولاشك أني خلقت لزمان غير أزمانهم كما يقول علي كرم الله
كان جدي سعيد محمد عبيد بن زقر رحمه الله الرئيس الثالث لمجلس إدارة غرفة جدة. أي بعد المرحوم محمد عبد الله علي رضا كأول رئيس للمجلس والذي خلفه على الرئاسه المرحوم أحمد محمد صالح باعشن. وغطت رئاسة جدي سعيد الفترة التالية وحتى عام (1958م). لقد أدركت متانة علاقة جدي بزملائه تجار جدة، من مناسبة غداء سمك مفتوح كان يقيمها كل يوم ثلاثاء في بيت الأسرة في طريق المدينة. كنا صغارًا ونأتي في هذا اليوم نجتمع بالأقارب ونستمع لروايات رجال الأعمال من أصدقاء جدي، وكانوا يمثلون أغلبية أعيان جدة التي كان تعدادها حينئذ، لا يتعدى الثلاثين ألف نسمة. ولا زلت أستعيد مشاهد التداول العفوي بينهم وقد تبدى لي أن مناسبات غداء الثلاثاء، أقرب لمنبر دوري يتناول هموم التجارة والتجار والاهتمامات الإقتصادية وأحوال السوق. وكان هذا التداعي العفوي رغم أنه أقرب للتعبير عن اهتمامات غرفة جدة ولكنه بالنسبة لي يستهويني لأنه يقدم معارف ومعلومات غاية في الأهمية. وهكذا صرت أتابع وأستمع وأنتبه لقصص من الذين رحلوا ومن أولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة. وهذا الإنتباه ربما لفت نظر جدي سعيد. ولعله لاحظ أنني (جيعان) للمعرفة أو أنني شغوف بها. فناداني (يا سعيد تعالى) وأجلسني بقربه، وقال أمام الحضور، أنه سيعيد عليهم رواية تاسيس جدة. وروى رحمه الله أنه قبل تأسيس غرفة جدة كان التجار على ود وصلات صداقة قوية. لحد أنه متى حدث إختلاف يعرفونه ويلجأون لبعض رجال الأعمال التي يعتبرونهم قدوة لحل الإشكال أو الإختلاف سواء كان سببه التجارة أو خارج إطارها. من الروايات شعرت بأن التجار كانوا يتعاملون كأسرة واحدة. وأن الثقة بينهم حتى في أحكام كبار التجار تحترم ولا ترد من باب العرف الاجتماعي وأخلاقيات السوق. وهذه الممارسات جعلت أن الذهاب للمحكمة أمرًا نادراً. لأن أصحاب المهن ومنهم رجال الأعمال كانوا قدوات حسنة ويجدون الاحترام من بعضهم البعض رغم التنافس التجاري الشريف. والراجح أن المحاكم كانت تنظر في القضايا الكبيرة مثل الحدود والقصاص.
لكن بعد التطور الكبير الذي شهدته المملكة مع الخمسينات ومع ازدياد عدد السكن صار حل مشاكل أصحاب المهن والتجار يحتاج لنقلة أخرى. كما أن الوفود التجارية ازدادت من دول عربية وإسلامية وأجنبية. وكان بعض هذه الوفود تتحدث الإنجليزية والتي لم يكن (سيدي) يعرفها بالمرة ومثله كثير. أدت هذه التطورات إلى إقتراح مفادة أن على التجار تكوين غرفة تجارية لجدة لعلها تكون بمثابة حاضنة وصوت لرجال الأعمال ومكان مناسب لاستقبال وفودهم. وأيضا لتقوم بأدوار وظيفيه مثل حل المشاكل التي قد تطرأ في التعاملات التجارية أو تحتاج لتواصل مع الجهات الحكومية. وتم بالإجماع الموافقة على تكوين الغرفة التجارية وأختيار الشيخ محمد عبد الله علي رضا كأول رئيس لأم الغرف بجدة كما كان يسميها (سيدي) رحمه الله. والأختيار كان موفقاً لأنه كان يجيد الإنجليزية بطلاقة كما فهمنا. ثم شرع التجار يساعدون المجلس ويتبرعون ببناء الغرفة التجارية على أن يتم تسجيلها كمؤسسة غير ربحية. ومن رواية (جدي) لهذا الإرشيف، أحسست أنه كان يريد أن يقول لي وللحضور أن تكوين غرفة جدة كان مبادرة من التجار وجدت الاستجابة والقبول من الحكومة الرشيدة. وأن من العوامل التي دفعت لتكوين غرفة جدة التوسع الكبير في التجارة المحلية والدولية وتطوير الأعمال فضلا عن ازدياد عدد السكان.
لقد عرفنا التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمملكة من هذه الجلسات. وتعرفنا على مشاهد الحياة وعلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية والأعراف، مباشرة من الجيل الثاني من الأسرة باعتبار أن المؤسس لعمل عائلة بن زقر كان والد جدي محمد رحم الله الجميع. لقد أراد جدى سعيد من وصيته لي أن أعرف الأجيال التاليه تاريخها لكي تستفيد من القيم الاجتماعية والأعراف. وكان جيل (سيدي) على وعي تام بأدواره وشروط عصره وخاصة على وعي ومعرفة ودراية بأهمية الحفاظ على النسيج الاجتماعي وعدم اللجوء إلى المحاكم في اختلافات بسيطة قد تتعقد وتشتت الجهود وتشغل المحاكم أو قد تفسد أواصر الود بين الناس. ذلك جيل كان ينفق من ما أتاه الله، كانوا ينفقون من أوقاتكم ومواهبهم وقدراتهم لصالح مجتمعهم. والأهم كانت لديهم درجة من الورع الديني والإلتزام الأخلاقي في النظرة للأشياء والمجتمع. والحكمة التي يود أن يقدمها كاتب السطور من إيراد هذا الإرشيف تعريف الأجيال القادمة بهذا التراث الاجتماعي الغني، وأن نحاكيه وبأن نقدم ما لدينا من وقت وننفق مما أعطانا الله من علم وخبرات وأيضا أن تقدم الجهات غير الربحية كالجامعات ما لديها. ففي جدة اليوم عددها هائل من الشركات والأنشطة وبقدرما تحتاج لأدوار الغرفة التجارية تحتاج لجهود الأجيال الجديدة في التطوير وفي تقليد أفعال السلف وفي تعزيز ما يسمى اليوم المسئولية الاجتماعية.
